أيقونة الانتظار!

هل عاد (غودو) حقاً؟ ربما أراد فيلسوف الوجود والعدم  نيتشه  أن يشغلنا لبعض الوقت بأطروحة رشيقة كان اسمها (العود الأبدي)!

والحال أننا شغوفون بفطرتنا بكائن لذيذ يسكننا ويؤلف بين أجزائنا المتناهية الصغر، كائن مدهش وعجيب يتجاوز الحيوات الافتراضية، كائن افتراضي بامتياز، عرفته مدونات الأدب وصاهرته الأساطير، ونازعته درّة تاجه الذهبي جنيات الإبداع الظاهرة والمستترة على حد سواء.

فمن وحيه اندلقت فضاءات باذخة السحر على رخام الأزمنة والأمكنة، بأرصفتها وحواريها وكثافة أشجارها التي تبث كل وريقة من أرواقها حرفاً يبتدئ وينغلق في دائرة سرمدية لا تنغلق، تفسرها الروح على مهل ضوئها: الانتظار.

لتدخلنا تواً في محكياتها: ثمة عاشقان ينتظران، ثمة عصفور في أقصى الشرفة على قلق لحظته ينتظر، ثمة من ينتظر العودة إلى الوطن. وقد يكون الوطن خارج المكان بضعة سنتيميترات ليقيم أو ينام، أو يتنفس، بضعة سنتيميترات من الأرض، لتقيم الروح أعراسها، الوطن فكرة أو كلمة أو موقف، لذلك ندرك معنى خالداً: لم يخرجوا من وطنهم حتى يعودوا إليه. الوطن رسالة، تعثر أصابع (المايسترو) الماهرة، لحظة تأليفها للنغم على برهة مضيئة: حلاوة النشيد الوطني وصلابته، ماسّ تولّد شرارة احتكاكه مع الأصابع بتعددية المفاتيح وتنوعها، ليس (راحة الروح) على حد أغنية فيروزتنا البهية فقط، بل وطناً صغيراً بعد طول انتظار العازفين.

فكم بنى الانتظار مدناً قصية وأشاد ممالك مزنرة بالخيال الحارق، فما زالت الحياة ذاتها تنتظر، لا نشيح بالبصر عن مفارقات الانتظار ويومياته الواخزة حد البكاء، ولكننا نعيد تأويل فلسفته الوجودية. وإلا فما معنى من يقول لك: (ضاق خلقي، أو أنا في انتظارك خليت)، إنها أولى الطقوس التي تأخذنا للوقوف على نصل الشمس وحوافِّ المجرات المتباعدة، إنها أزلية الفكرة والكلمة والسؤال. يقول جبران خليل جبران: (الحياة أقدم من الكائنات الحية، وأي شيء.. هي فصول الأعوام، سوى أفكارنا تتغير وتتبدل)؟

درامية الانتظار، كلمة سر من تعبت أرواحهم فسهروا في ضوء أجسادهم، يشدون على أصابع الوقت كلما وهنت وفترت شكيمتها. ومن انتظر مآل عمل درامي حمل الاسم ذاته، هو منتظر آخر تعانق مع الشخوص أملاً في لحظة التنوير التي ترمي على الأرواح تمائم السلام.

فهل الانتظار في ذاته قد غدا أيقونة، حتى لو جاء من تنتظره على موقف، أو في حديقة، أو بالقرب من إشارة مرور في موعده تماماً، تبقى تنتظره، وآنذاك لن تتسارع خفقات قلبك، ولن تحدق كل دقيقة في ساعتك، فتوقيت القلوب من شأنه أن يذهب لفضاء الانتظار، ولعلك تهمس بينك وبين نفسك: أنا كائن انتظاري، ستتخفف من كلاسيكيات انتظار الفناء والموت العابر، ولن ينقر طائر اليأس رأسك، وسيذهب إلى مطارح نائية.

ما الذي سنضيفه لو قلنا: قل لي من تنتظر أقل لك من أنت؟!

ذلك أنه بفعل (الانتظاريين) اكتشفت اللغة لغتها واستدارت لذاتها، في لعبة قدرية متواترة، أو قل هي هكذا، حتى نرى النهاية من البداية، وحتى تذهب السهام لذروتها.

حسناً انتظرني لأنتظرك فيذهب الانتظار لانتظاره، تماماً كقارئ يتوسل سطوراً لتنبئه بالخاتمة، كعجوز شاب قلبه يتوسل طفولته من ضحكة طفل عابرة، كأجيال ورثت مفاتيح لن يطأها صدأ الزمان لتعود إلى وطن ما زال تحت خافق يمام، هديله المكان وجناحاه الزمان.

تماماً ننتظر وطنناً في قيامة (ترتجى) لمصلوبيه، ولعل البشارة زهو سنبلة أركضت الريح حافية في العراء، وصهيل نسغها لما يزل مبدداً عبث الرياح وانكسار جهاتها.

العدد 1193 - 9/04/2026