إيجارات المنازل تلتهب.. وحاجة المواطنين إلى السكن تُستغل

لماذا لا تنظم الحكومة أجور الشقق السكنية؟

الأزمة التي تعانيها سورية أفرزت العديد من الظروف المعيشية الصعبة التي يتعرض لها المواطن السوري، من ارتفاع أسعار المواد الغذائية، إلى ارتفاع أجور المشافي والأطباء، وحتى ارتفاع أجور التنقل والكساء.. وبالطبع دخل الفرد حالياً أصبح هزيلاً، في ظل التضخم الحالي الذي يعيشه اقتصادنا والذي بلغ 99% خلال عام 2013 مقارنة مع 2012 وفق آخر نشرة للمكتب المركزي للإحصاء، وارتفاع التضخم جاء وفق المكتب المركزي للإحصاء نتيجة انتشار السوق السوداء للعديد من السلع والمواد، ونتيجة رفع أسعار المحروقات بشتى أنواعها، سواء البنزين أو المازوت وحتى الغاز المنزلي.

ونتيجة للظروف الأمنية التي تعيشها بعض المناطق في المحافظات السورية، والتي أدت إلى نزوح الأسر من المناطق الساخنة إلى المناطق الآمنة، فإن ذلك أحدث نوعاً من الضغط السكاني على المناطق الآمنة، وبالطبع رافق هذا الضغط نوع من الاستغلال للأسف من قبل ضعاف النفوس، فقد بدأت عمليات استغلال حاجة هذه الأسر إلى المسكن، وبدأت المتاجرة بالمنازل دون أخلاق، وبلغت إيجارات المنازل أرقاماً فلكية جداً.

استغلال المضطرين للسكن.. ونصف مليون ليرة أجرة عام

حالياً، إذا أردت منزلاً معروضاً للإيجار في دمشق، فإن ذلك ضرب من المستحيل، وفي حال وجدت منزلاً فإن دفع أجرته سيكون أيضاً شبه مستحيل.. فقد أوضح صاحب مكتب عقاري في دمشق لـ(النور)، أن إيجار الشقة في دمشق دون فرش، في حال وجدت  أصبح لا يقل عن 50 ألف ليرة شهرياً، وبالطبع المصيبة تكتمل عندما يطلب المؤجر إيجاراً سلفاً لمدة ستة أشهر، أو عام على الأقل، أي أن الأسرة يجب أن تدفع مبالغ تصل إلى نصف مليون ليرة سنوياً، حتى تستطيع أن تحصل على مسكن.. وبالطبع الأسر المهجرة لا تملك سيولة كهذه في يديها، لأن الكثير من الأسر لجأت إلى المناطق الآمنة، وهي لا تملك سوى لباسها الذي عليها فقط، هذا عدا فرش الشقة الذي سيتكلفون عليه الكثير وإن كان (من قريبو).

وإن أرادت الأسرة أن تستتر بمنزل (على العظم)، فإن أصحاب (النخوة) بدؤوا يأخذون من هذه الأسر إيجارات تصل إلى نحو 15 ألف ليرة شهرياً، دون أي شعور بأن هذه الأسرة تعرضت لخسائر كبيرة، وأنهم مضطرون للإقامة في منزل دون أبواب ولا حتى نوافذ.

وقال أحد المواطنين: (أجور المنازل قبل الأزمة كانت معقولة ووسطية، ولكنها ارتفعت حالياً بنسب مخيفة، نتيجة زيادة الطلب على المساكن من قبل الأسر المهجرة من المناطق الساخنة.. وللأسف هناك استغلال لهذه الأسر إلا ما ندر من قبل بعض أصحاب الضمائر التي لا تزال على قيد الحياة، ذلك أن إيجار غرفة مع منافعها أصبح من الصعب على الأسرة تأمينه، عدا الشروط التي قد يضعها المؤجر على المستأجر، فهناك من لا يرضى بعقد مدته ثلاثة أشهر وهناك من يرضى بذلك، ولكنه يطالب بزيادة في الإيجار كل فترة من الزمن).

الإيجارات ارتفعت 100%

صاحب مكتب عقاري أوضح أن أسعار الإيجارات ارتفعت كثيراً، وخاصة في العامين الماضيين، فقد تضاعفت بنسبة 100% في الكثير من مناطق دمشق وريفها، فالشقق التي كان إيجارها في منطقة المزة مثلاً ما بين 20 و40 ألف ليرة شهرياً، حالياً الحديث يبدأ من 40 ألفاً ويصل إلى 80 ألف ليرة شهرياً لبعض الشقق، وذلك حسب المساحة ومنطقة وجود الشقة.

وأكد أن الشرط الأصعب الذي يواجه من يريد الاستئجار هو الدفع مقدماً لمدة سنة أو ستة أشهر، لافتاً إلى أن ذلك يشكل حملاً ثقيلاً على الأسر، وخاصة المضطرة للسكن.. وكثيراً ما نجد أسراً تفترش الحدائق أو بعض الغرف في بعض المزارع على أطراف دمشق، وذلك لأنهم غير قادرين على دفع إيجار المنازل، ونتيجة تعرض مصالحهم للتوقف.

وأشار إلى أن نسبة إشغال الشقق المعروضة للإيجار أصبحت 100%، وأصبح من النادر إيجاد شقق للإيجار رغم ارتفاع أسعار الإيجارات، لافتاً إلى أن النسبة المتوسطة لإيجار الشقق حالياً يتراوح ما بين 50 و70 ألف ليرة شهرياً، وهي تعتبر مفروشة بشكل متوسط.

أما الشقق غير المفروشة فيتراوح إيجارها ما بين 30 و40 ألف ليرة شهرياً، مع الإشارة إلى أن الإيجارات ماتزال بارتفاع دائم وليست مستقرة، ففي كل فترة ترتفع الإيجارات رغم جمود السوق، ولكن ارتفاع الإيجارات يعود إلى وجود طلب زائد، وبالتالي عروض أكثر من الموجود حالياً، أي زيادة في السعر معروضة من قبل بعض المستأجرين، مما يدفع المؤجر لرفع أسعاره على المستأجر أو إخراجه من المنزل بعد انتهاء عقده.

ريف دمشق… ارتفاع في الإيجارات وقلة في العرض

بالطبع أصحاب الدخل المحدود من المهجرين لم يلجؤوا إلى استئجار المنازل في دمشق، بل توجه معظمهم إلى قرى وبلدات ريف دمشق، إلا أن هذه لم تسلم أيضاً من الاستغلال وارتفاع الأسعار، ولكنها  ظلت أقل مقارنة مع الإيجارات في دمشق، إذ يبلغ إيجار الشقة غير المفروشة في بلدات ريف دمشق الشمالي على سبيل المثال نحو 15 ألف ليرة شهرياً، ويصل إلى نحو 20 ألفاً، وذلك حسب المكان والبُعد والمساحة، في حين يصل إيجار الشقة المفروشة إلى نحو 30 أو 35 ألف ليرة شهرياً.

ولا يخفى على أحد أن معظم مناطق ريف دمشق الآمنة شهدت اكتظاظاً كبيراً بالأسر المهجرة من المناطق الساخنة بفعل الإرهاب، حتى لوحظ وجود الكثير من الأسر جعلت من الأرصفة منازل لها، واعتمدت في ذلك على وضع بعض السواتر الحديدية أو البلوك أو الشوادر، كما لوحظ أيضاً وجود أكثر من أسرة واحدة في الشقة المستأجرة، ووصل العدد إلى أكثر من ثلاث أسر في شقة واحدة، وذلك نتيجة قلة الشقق المعروضة للإيجار، ونتيجة ارتفاع سعر الإيجار، فتتقاسم هذه الأسر الأجرة الشهرية بينها، وكما يقال (الحمل على الجميع أخف)، مع الإشارة إلى أن أسعار الإيجارات أيضاً في ريف دمشق تشهد ارتفاعاً بين الحين والآخر، وذلك نتيجة زيادة الطلب عليها مع قلة العرض.

هكذا يمكن تنظيم عمليات إيجار الشقق السكنية

ما نود الإشارة إليه هو أنه من الضروري أن يكون هناك تنظيم لقضية الإيجارات، بحيث لا يُسمح باستغلال الأسر المضطرة للسكن، وبالطبع قبل تنظيم هذا الأمر فإننا ندعو جميع المؤجرين إلى الرأفة لحال الأسر المضطرة للسكن وخاصة المهجرة، لأنهم تعرضوا لخسائر كبيرة، فهم ليسوا في منتجع سياحي حتى يُفرض عليهم مبالغ طائلة، كما أن أعمالهم تعرضت للتوقف، وفي حال كان لديهم دخل فإنه سينفقونه على الإيجار فقط دون أن يأكلوا أو يلبسوا، لذا ندعو إلى أهمية إيقاظ الضمائر وإحياء الشعور بالمسؤولية تجاه الغير، وتعزيز قيم المواطنة بين مختلف شرائح المجتمع، وندعو أيضاً إلى التكاتف في هذه الأزمة لا أن يستغل بعضنا البعض الآخر.

كما ندعو الجهات المعنية إلى تنظيم هذا الأمر، بحيث توضع شروط وقيود معينة لعمليات الإيجار، ويتم تصنيف الشقق المعروضة للإيجار، ووضع أسعار لكل تصنيف منها، بحيث لا يسمح بتجاوزها أو التلاعب بها، وبالطبع هذا الأمر سيدّر على الخزينة العامة فوائد كثيرة، لأنه لن يسمح بتأجير أي شقة قبل دفع الضرائب اللازمة من هذه العملية. وبالطبع الضرائب ستكون على حساب المؤجر، وليس المستأجر.

صحيح أن الشقق السكنية المعروضة للإيجار تعد ملكية خاصة، ولكن ذلك لا يعني استغلال المواطنين المضطرين للسكن، لذا يمكن إيجاد آلية معينة يتم من خلالها إحصاء الشقق المعروضة للإيجار، بحيث لا يسمح بإيجار أي شقة معينة إلا بعد أخذ الموافقة من الجهة الحكومية، وبعد دفع الضرائب اللازمة لهذه العملية، وتقدير إيجار الشقة وفق التصنيف الذي يتم وضعه لهذه الشقة، سواء من حيث المساحة أو المكان، أو الخدمات الموجودة فيها أو القريبة منها، وبهذه العملية يمكن وضع حدود عليا وحدود دنيا لإيجارات الشقق المعروضة للإيجار وفق معايير حقيقية تراعي السعر الواقعي للإيجار، بحيث لا يتعرض المؤجر ولا المستأجر للغبن، وتضمن الخزينة العامة تحصيل الضرائب اللازمة من هذه العملية وخاصة في ظل هذه الظروف.

كما يمكن للحكومة أن تسعى لمشروع سكني خاص بالإيجارات، بحيث تتيح مساكن للإيجار بأسعار تنافسية، على مبدأ السكن الشبابي، ولكن هنا المسكن يكون للإيجار فقط.

العدد 1140 - 22/01/2025