مسؤولون… لكن خارج التغطية..!
أعتقد أنه لن يستغرب البعض ممن سآتي على ذكره في هذه العجالة فيما يتعلق بالحداثة في عالم الرقميات والتكنولوجيا والاتصالات. إذ قالوا، وهذا على ذمتهم، بأن العالم بات بعد القفزة الجريئة في الاختراعات والتحديثات يشبه القرية الصغيرة. ولا أعلم لماذا تخطر على بالي القرية الصغيرة وأيامها الغابرة كلما سمعت أحدهم يتحدث في هذا الموضوع، فأقف على قمة ذاكرتي وأرنو عبر تفاصيل الأيام الجميلة التي عشناها بعيداً عن هذه الخزعبلات والدعايات فأذكر فيما أذكر أن القرية كانت بالنسبة لنا تمثل العالم بأكمله، فكيف تحوّل العالم وانطوى تحت عباءة القرية؟! في القرية كنا لا ننام قبل أن نتفقد أحوال بيوتها بيتاً بيتاً، ونعرف من لديه خبز وسكر وطحين وحطب للشتاء وزيت وشاي، ولم نكن نسمع بالموز ولا الأفوكاتو ولا حتى الفروج المسحّب والشيش والهمبرغر وغيره ولا حتى بالمازوت أو الغاز. ورغم كل هذا كنا نقضي أيامنا ونحن سعداء بتعبنا وكدّنا وكنا نسخّر كل بارقة فرح من أجل تعميمها على الجميع.
لن أغوص طويلاً في القرية التي كانت كما ذكرت تمثل لنا العالم بزواريبها وحجارتها وأشجارها وثمارها وساحات اللعب بالكرة المصنوعة من الخرق البالية والجرابات المهترئة أو أماكن لعب الدحل أو بساطة أهلها، إذ علّق بعض أصدقائي عليّ ذات مقالة بأنني لا أستطيع التخلّص من القرية، وأذكر أنني يومذاك قلت له بأن القرية لا يمكنها أن تحرّر جدائلها من أصابعي.
بعد هذا أرجو أن تسمحوا لي أن أنتقل إلى ما بدأت به عنوان مقالتي هذه والتي أوحت لي بها مجموعة من الممارسات والتجارب مع مسؤولين في أماكن مهمة وفي غير محافظة. إذ تأكدت بما لا يدع مجالاً للمواربة والشك بأن هذه الحضارة وهذا التطور في عمليات الاتصال لم يقدّم لنا أيّة فائدة، بل على العكس كانت ملاذاً آمناً لبعض المسؤولين كي لا يزعج نفسه بسماع صوت المواطن المعتّر على الرغم من أن بعض المسؤولين قد اقتنى أحدث أجهزة الموبايل ولديه بدل الرقم رقمان أو أكثر، ولديه أكثر من جهاز!.
وهنا تحضرني حالة مشابهة إذ كان أحد أصدقائي القدامى عندما انتقل إلى مفرزة حدودية يحمل معه جهازَيْ هاتف: الأول للتجار والمهربين في المناطق الحدودية، وهو دائماً مفتوح وفي كل الظروف والأوقات حفاظاً على تواصله مع أولياء نعمته. وقد كنت شاهداً على بعض تلك المكالمات والسمسرات طبعاً دون تعليق!. والآخر لعامّة الناس وهو في أغلب الأحيان مغلق أو خارج التغطية!
وبالعودة إلى بعض المسؤولين الذي يبحثون ليل نهار عن آخر صرعات الموبايل وعن أحدث عمليات الخروج عن التغطية والميزات التي ابتلينا بها، فقد بات بعض المسؤولين خارج التغطية تماماً. وتستغرب أن سيارته أمام الدائرة ومدير مكتبه يحتسي الشاي مع إحدى الغانيات، وعند السؤال عنه يجيبك أنه في جولة أو مهمة. ويتكفل صاحبنا هذا (مدير المكتب) بالرد على جميع المكالمات الأرضية. فكيف سيلتقي المواطن المسكين بالسيد المسؤول؟! الأنكى من كل هذا والذي يدعو للضحك المبكي هو حديثهم ولهفتهم (الخلبيّة) على المواطن.. بل وحزنهم عليه!
المفارقة أن جميع معارف (المسؤول) وأقاربه لا يتورعون عن إعطائك رقم هاتف بيته وحتى كل التفاصيل التي توصلك إلى المنزل، ولكن عندما تتّصل على ذلك الرقم الثابت تخبرك السيدة حرم المسؤول أو أحد أولاده أنه خارج المنزل. وعندما تطلب رقم الهاتف الخليوي تحصل على رقم الجهاز المغلق بشكل دائم أو شبه دائم، كما هي حالة صاحبنا الذي حدّثتكم عنه!
لا أعلم ما هي الفائدة من أن يحمل المسؤول هاتفاً خليوياً أو أكثر إن كان سيبقي الرقم المعمّم على المواطن مغلقاً. أو إن اشترك بميزة خارج التغطية أو الرقم مشغول أو حتى الشبكة مشغولة أو..أو.. إلخ من عمليات التهرّب من المسؤولية أمام الله والوطن والمواطن.
قبل عدة أيام وخلال العاصفة التي اجتاحت القطر تلقيت عدة شكاوي من مواطنين تفيد بأنهم لم يحصلوا على رغيف واحد لأكثر من ثلاثة أيام، وبأنهم اتصلوا مع عدد من المسؤولين ولكن دون جدوى. تبرّعت بإيصال شكواهم وأخرجت جهاز هاتفي المتواضع الذي يطالبني أولادي بإحالته على التقاعد، أو التبرّع به لصالح المتحف الوطني، وبدأت بطلب بعض الأرقام التي سجلتها خلال لقاءاتي الصحفية معهم، أو بطريقة (أرجو المعذرة لأنني لن أخبركم عنها). ولكن المصيبة أن كل من طلبته من أجل إيصال الخبز إلى من قطعتهم الثلوج في تلك القرى، ومنها مزرعة عين الباردة في الدريكيش، كان هاتفه خارج التغطية. الشيء المضحك أيضاً أن بعض من اتصلت بهم ممّن يمتّون بصلة قرابة لبعض المسؤولين للحصول على رقم الهاتف كانوا يعتذرون بحجة أنه محظّر عليهم إعطاء الرقم لأحد، وكانوا يكتفون بإعطائي رقم المنزل، وكالعادة ترد الزوجة أو الأولاد وأحصل منهم على الرقم المغلق دائماً!
هذا غيض من فيض وهناك العديد من القصص القصيرة جداً عن معاناة المواطن مع المسؤول، فإلى متى سيبقى المسؤول وهاتفه خارج التغطية؟ وهل من إجراء يلزمه الرد على هاتف مكتبه أو ترك رسالة تخبرنا بالرقم الذي يمكّننا من التواصل معه؟! أرجو ذلك حفاظاً على البقية الباقية من العلاقة بيننا! وليعلم صاحبنا المسؤول أنه لو دامت لغيره لما وصلت إليه!