حكايات ودروس
أيام قليلة تفصلنا عن مرور عامين على الأزمة السورية المركبة المتفاقمة.. عامان كأنهما دهران من السنين العجاف.
دروس وحكايات يتداولها الكبار والصغار، باعتبارها من إفرازات الأزمة. منها النكتة الساخرة، ومنها الحكاية الساخرة المضحكة، التي تعبّر عن مستوى متطور من الوعي. وتبيّن أن المواطن يدرك الأسباب التي أوصلته إلى هذه الحال. وتزداد التعليقات التهكميّة المركبة على قاعدة الإضحاك، وإيجاد حلقات جديدة وروابط تمتّن العلاقة بين الأصدقاء على شبكات التواصل الاجتماعي. ومن هذه الحكايات على سبيل المثال:
إن ارتفاع غرام الذهب بشكل لم يصدقه العقل، أدى إلى إحجام الشباب عن الزواج. هذا أولاً. وازدياد البطالة بينهم، وهذا ثانياً. ومن نافذة هذا الواقع أطلَّت النكتة وكشفت عن أسنانها وقال مروّجوها: أحد الشباب أراد أن يتقدم من والد حبيبته للخطوبة. فقال لوالدها: اطلب أي شيء ماعدا الذهب!
ابتسم الرجل، ثمَّ تعالت ضحكته في فضاء مزدحم بالأزمات والمعاناة، وقال لصهر المستقبل: أجلب معك أسطوانة غاز كي تغلي أم العيال عليها القهوة لضيافتكم!
صديقي الشاعر(م)، فوجئ وهو في نقاهة بعد عملية جراحية بسيطة، بزيارة أحد أصدقائه وهو يحمل ربطتَيْ خبز، ويعتذر منه على هذه الهدية البسيطة. وهو يعلم جيداً أن (م) رجل مسنّ لا يقدر أن يقف أمام الأفران ساعات طويلة لشراء الخبز. فنهض (م) وقبّله قبلتين على الوجنتين شاكراً له مشاركته همومه وحسن اختياره. وأنه سيرد له الجميل مضاعفاً إذا تعرَّض لمكروه، خاصة إذا كان الخبز متوفراً بعونه تعالى بعد انتهاء الأزمة!
وهذه الحكاية ليست من الأحلام ولا من نسج الخيال، بل من الواقع المعيش بكل أسطورته وغرائبيته، والدرك المظلم الذي وصل إليه المواطن السوري، في هذا الزمن وليس من (حكايات كان يا ما كان في قديم الزمان):
صدمت سيارة (أبو طارق) ابن صديقه (شرف الدين). ولم يصب الشاب بأذى وقام بالسلامة يمشي على قدميه. وكانت رضّة بسيطة في كتفه الأيمن. ولما كرر أبو طارق وألحّ على صديقه أن يطلب ما يريد تعويضاً عن هذه الرضَّة، رفض شرف الدين وقال له: الولد بصحة جيدة، وها هو ذا يتحدث أمامك! ولكن شرف الدين صاحب النكتة المرح أراد أن يوجه الحديث في اتجاه آخر وأن ينهي القضية. وقال على سبيل المزاح: أريد يا أبا طارق برميلاً من المازوت تعويضاً عن هذا الحادث غير الأليم. وصدّق أبو طارق طلبه.. وفي المساء كانت سيارة المازوت أمام البيت.. وضحك برميل أبي طارق وهو يصغي جيداً إلى خرير المازوت، ويستنشق تلك الرائحة التي هجرته منذ عام ونيّف..!
يشكو الناس من مضاعفة استهلاكهم من الخبز. وكلّما ازداد عمر الأزمة يوماً، ازداد الطلب على الخبز أكثر. وجاري الذي أطلقت عليه اسم (أبو الخبز) ملأ (فريزة) البرّاد بربطات الخبز السكري والسياحي والعادي. ومن الكعك الطويل والمدور، المسمسم وبلا سمسم. وهو الذي لا يسهر ولا يحلم وينام على هديل الحمام. وعندما تدق عقارب الساعة الثالثة صباحاً، يلبس ثيابه ويذهب إلى مخبز في حيّ الأمين أو مخبز الشاغور في المنطقة الصناعية. ويعود في تمام الساعة الثامنة يتأوه وينفخ بألم.. ويلعن بالصوت والصورة جحافل المسلحين التكفيريين الوهابيين السلفيين، الذين خربوا بلادنا الجميلة! ويقول: لم يبقَ من غاباتنا إلاَّ بقايا جذور الأشجار. وإذا وقفتَ في زاوية تحويلة حمص ترى بوضوح قريتي. ولم يبقَ من هذه الأشجار على قيد الحياة إلاَّ بقايا. وقد جفت أوراقها ويبست وسقطت حزينة على اخضرارها وأغصانها الراحلة إلى مدافئ الفقراء وعالم الاحتراق!