في مديح الفوضى
حريتي فوضاي
إني أعترف
وسأعترف
بجميع أخطائي
وما ارتكب الفؤاد
من الحنين
يقول محمود درويش في (مديح الظل العالي)…
لم نكن نعرف الفوضى على أصولها قبل هذا الزلزال السوري، صحيح أن حياتنا كانت حافلة بالفوضى بجميع أشكالها وألوانها، لكن غلالة قوية من الأنظمة والقوانين والرصانة الشكلية كانت تخفي كل تلك الفوضى الكامنة والمشتعلة داخلنا، فنبدو كائنات مطيعة لا تخرج عن حالتها القطيعية إلا ما ندر… وكانت تلك الحالة القطيعية هي ما عرفناه عن النظام أو التنظيم حتى لا يقولوا إننا نحكي في السياسة.
الآن تمرد الجميع على هذه الحالة، سلباً أو إيجاباً، بقرار ذاتي أو بنزوع جمعي إلى اجتراح العيش في ظروف حرب عمياء لن يخرج منها حياً إلا كل طويل عمر.
الآن نعيش الفوضى بكل ما فيها من (أكشن)، بكل ما فيها من مفاجآت غير محسوبة..ليس للسوري إلا الفوضى يجابه بها هذا الجنون المستشري في جسد البلاد، عله يخرج من معركته اليومية مع احتمالات القتل والحرائق والقصف والنزوح والخطف والاعتقال.
الذهاب إلى عملك صباحاً هو شكل من أشكال المقاومة لهذا الوحش الذي يفتك بالهواء والحلم.
أن تصعد إلى السرفيس الذي بقي صامداً في عمله، أو الباص الذي انكسر بلوره من عدة جهات وثبِّت بلاصق شفاف حتى يكمل المشوار، طبعاً لا داعي لأن يركب بلوراً جديداً، يكفي ضغط تفجير قريب كي يعيد البلور إلى سابق كسره.. هذا إن وجد بلوراً جديداً في ظروف العزلة الدولية وتعرض المناطق الصناعية للدمار والحرائق.
يفاجئك سائق الحافلة بطريق جديدة كل يوم، يلتف على احتمالات الموت، ومعه ركاب سلموا أمرهم إليه.
لم تعد تستغرب أن يعاكس اتجاه السير في شوارع رئيسية في المدينة، كان من المستحيل أن تجد سيارة تمشي عكس اتجاه السير، صار من الطبيعي أن تجد حركة سير (طبيعية) بالاتجاه المعاكس في طرق رئيسية وأوتوتسترادات، كالمتحلق الجنوبي مثلاً أو ما تبقى منه صالحاً للسير، دون أن يسمع المخالف أي شتيمة، أو يتعرض إلى نظرة ازدراء من القادم من الجهة النظامية.
كان يطلب إلى الأخ المواطن في إعلانات ملأت الطرق في ثمانينيات القرن المنصرم إذا شاهد شخصاً يخالف القانون العام أن ينبهه إلى مخالفته إذا كان لا يعلم بأنه يخالف، وينظر إليه بازدراء إذا كان يعلم.
الآن ينظر من بقي من الإخوة (المتواطنين) على قيد الحياة والحركة إلى هذا الأخ المخالف بعين العطف والرضا، ويلحقه في المخالفة لأنه يعلم أنها الطريق الآمنة الوحيدة إلى مقصده.
إلى ما لا نهاية… الفكرة التي كنا ندرسها في الرياضيات كفكرة مجردة تخيلية، أصبحت الآن واقعاً ملموساً.
يكفي أن تتأمل طابوراً على باب مخبز أو مركز توزيع غاز، أو طابور سيارات أمام (كازية)، لتعرف بالملموس ما هي هذه (اللانهاية) التي كان يُصدّع بها رؤوسنا مدرسو الرياضيات ويحاولون تقريبها إلى أذهاننا الغضة دون جدوى.
تتأمل في وجوه أناس معك في الصفوف البعيدة جداً من الطوابير المتداخلة وأمامهم بحر من البشر، ترى ملامح خالية حتى من الحلم، هو يرى العشرات، خاصة من حملة السلاح المتعدد التسميات، أو من حملة الهويات والمهمات الخاصة، وهم يحملون في سياراتهم كميات كبيرة من الخبز أو الغاز، ويرمقهم بحياد كسول، هو يعلم تماماً أنه قد يفاجأ، بعد وقوف نصف نهار في هذا الطابور اللامنتهي، بكلمة: لم يبق خبز أو غاز أو بنزين أو مازوت.
هكذا تصبح الفوضى سكناً فيناً ونسكنها، تصبح أداة من أدوات مقاومة الموت.
من الفوضى أيضاً..
أن لا تسأل عن سعر السلعة قبل أن تشتريها، إلا لتعرف إن كان معك ثمنها أم لا!
أما أن تفتش عن مقارنةٍ بسعرها قبل الحرب وبعدها..سعرها أمس واليوم..فذلك هو العبث الممل.. اشترِ وامضِ.. أو أدر وجهك واستعذ بالذي لا يحمد على مكروه سواه.. الذي تضطر إلى شكره وأنت تتلقى مصائبه تباعاً.. وتدعو له بطول البقاء والثبات والنبات.