النشرة الجوية… أشعر بالبرد!

ولأن الحديث الآن يدور في كثير منه عن الجو، عتبة الحديث، العبارة التمهيدية في أي لقاء، فيتأفف أحدهم: (شو هالبردات خيو)…. أو (شوب الله يجيرنا)… أو (مطر الله يبعت الخير).. 

سنتحدث عن النشرات الجوية مادام الحديث عن الغارات الجوية من المكروهات، وربما تؤدي بصاحبها إلى المصايف والمنتجعات التي أعدت للعاصين. 

سئل رجل من إخوتنا الأعراب:أي النشرات الجوية أحب إليك؟

فقال: نشرة تلفزيون الجديد.

سئل: ثم أيها؟

قال: نشرة تلفزيون الMTV .

ثم أيها؟

قال: تلفزيون الLBC.

ولو بقي أخونا الأعرابي يُسأل حتى قيام الساعة، لما أتى على ذكر التلفزيون السوري بقنواته العامة والخاصة التي تغنِّي اللحن نفسه وبالإيقاع نفسه، وكذلك الزمان والمكان … ليس لأنه معارض من الذين لا يعجبهم أي شيء في النظام حتى لون جواربه والعياذ بالله، أو حتى من بعض المؤيدين الجدد الذين يعجبهم كل شيء في النظام سوى أن إعلامه متخلف… لا.. بل لأنه لا يعرف الكذب ولا يحبه.

صديقنا المستفتى يعرف أن المنجمين يكذبون دائماً ولو صدقوا، ولا يقتنع أن التنبؤ الجوي صار علماً وليس فعل سحرة. حتى لو أخذته في زيارة استطلاعية مفاجئة إلى الهيئة العامة للاستشعار عن بعد والأرصاد الجوية، فهو يعرف أن الغيب من صفات الخالق، نقطة انتهى.

لكنه لا ينكر أنه متابع دؤوب لهذه النشرات، خاصة في ظل المنخفضات الجوية الباردة القطبية المنشأ التي تصدرها لنا الجارة العجوز، وبقية دول العالم المتآمرة على وطننا الحبيب.

ويقول الرجل: إنه في ظل فقدان المازوت والغاز وانقطاعات الكهرباء الطويلة، كان لا بد حين يتاح لنا مشاهدة التلفزيون (وليس التلفاز)، أن نثبت عند واحدة منهن، أقصد من اللائي يقدمن نشرات الجو على قنوات الشقيقة الصغرى لبنان. وهي قنوات لا تهزج بصوت واحد، كما هو الحال عندنا، لأن المؤامرة العالمية نجحت عندهم منذ فترة طويلة، رغم بعض الانتكاسات العابرة، وجعلتهم يعيشون مع بعضهم وهم مختلفون في السياسة والمجتمع والاقتصاد، فيما نحن لم نتعلم الاختلاف حتى في طريقة إعداد القهوة مثلاً. 

عودة إلى مقدمات النشرات الجوية على القنوات الشقيقة، يقول المستفتى: صدقني يا أخي يقهرن البرد والمنخفضات القطبية مهما بلغت درجة خستها ودناءتها وعمالتها للخارج… بدفئهن المبالغ به وحضورهن الجميل وطلاقتهن في عرض النشرة. 

وحين سئل عن تلفزيونات الوطن أطلق زفرة عميقة وقال: والله لو بقي تلفزيوننا على ذلك الرجل (المشورب) الذي كان يقدم النشرة الجوية، وكأنه يتلو بيان الثورة رقم واحد، لكان أخف وطأة التقليد من مذيعاتنا لزميلاتهن اللبنانيات… يا رجل مثل الغراب الذي أراد تعلم مشية الحمام فنسي مشيته وعجز عن تعلم مشية الحمامة.

سألته عن السبب برأيه في هذا الفشل الإعلامي حتى في النشرة الجوية، فحك ذقنه وروى الحكاية التالية:

كان في قريتنا رجل يفك الحرف، اسمه أبو سعيد، كان الوحيد الذي يعرف القراءة والكتابة في القرية، إضافة إلى إمام المسجد طبعاً. وكان الناس يلجؤون إليه لقراءة رسالة من قريب مهاجر أو ابن يخدم الخدمة الإلزامية. ومن العيب طبعاً أن تذهب إليه بيدين فارغتين… وكان الوحيد الذي يستطيع التفاهم مع شرطي يأتي إلى القرية في حادثة نادراً ما تحصل لتبليغ أو تحقيق.

كبر الرجل وكانت المدارس قد بدأت تفتح في القرى، وتعلم عدد من أولاد القرية وصاروا يقرؤون أفضل منه، لكن أهل القرية استمروا في الاعتماد عليه، ولم يلقوا بالاً لهؤلاء الشبان الصغار، فهم تعودوا على صوته الواثق وهو يقرأ لهم ويشرح ما أشكل عليهم، وإن كانت قراءته مليئة بالأخطاء وكذا شرحه. 

أصبح نظره ضعيفاً ولم يعد يميز الأشخاص، لكنه بقي مصراً على أنه القارئ الوحيد في القرية، وبقيت بضع نساء عجائز يلجأن إليه لأنهن لا يثقن إلا بقراءته. فكان غالباً ما يؤلف من عنده كلاماً ويقوله لهن، لأنه حفظ الرسائل من خبرته ومعرفته بأصحابها… وكانت النساء يسعدن بأخبار أبي سعيد المفرحة. 

مرة اصطحبت إحداهن حفيدها التلميذ في الصف الرابع قاصدة أبا سعيد لقراءة رسالة من ابنها العسكري. وكان الولد واقفاً بجانب الرجل وهو يدَّعي قراءة الرسالة… فصرخ أمام الجميع: ستي ستي…  عمو أبو سعيد ماسك الورقة بالمقلوب وما عم يقرا منها…  كانت النتيجة قتلة مرتبة للولد من أبيه.

ورغم انتشار الفضيحة، إلا أن أبا سعيد ظل يقرأ الرسائل لقلة أصرت على أنه وحيد عصره حتى وافته المنية. 

لست مختصاً في الإعلام، ولم أدرس أياً من نظرياته  يقول صديقنا  لكني أشعر بالبرد كلما شاهدت نشراتنا الجوية، فألوذ بالقنوات الشقيقة، ألسنا شعباً واحداً في بلدين؟!

العدد 1188 - 25/02/2026