يضحك كثيراً من يضحك أخيراً
يتبعنا الحزن كظلنا، ويحوم حولنا كتلك الطيور السوداء القاتمة كعتمة الليالي القاتمة، ويوشك أن يجعل من رعشة ابتسامتنا البعيدة الغائبة دمعة شاحبة الوميض كآخر شهقة في فتيل القنديل المعلّق تذكاراً أثرياً عبر جدران نسيت ذلك القنديل في زحمة الكهرباء وبياض الياسمين الذي كان يبثنا نداوة النهار، وروعة عطره في مساءات المواقد الضاجة بوهج الدفء، وحلاوة السمر، وروعة التذكارات الندية! وبغتة قفز القنديل التذكاري المعلق أثراً تاريخياً على الجدار، وغدا تاريخنا المعاصر الراهن، حقيقة واقعة. وقائمة، ونقول في جهرنا، وسرّنا: إننا أمة متعلقة بالماضي والذكريات، والحزن، تعلقاً بالغنا فيه إلى حد الجنون! فلماذا نساير كارهين كينونة الفلك الكوني من حولنا، نعمل، ونتقدم، ونضحك، ونشغل الحدائق والبساتين ببشاشة الضحكات التي نزرعها ذكرى في تلك الحدائق والبساتين، لتثمر في موعدها التالي ياسميناً، وكباداً، وحوراً، وسحراً فائق النداوة والعذوبة!
يبدو أننا غير معنيين بذلك، لأن تاريخنا حافل بالحزن والدم والموت والآه! نحن أمة الحزن حيث ألصقت بنا تلك المقولة الخالدة، التي تقول: (الحزن لباس أمتي إلى يوم القيامة). نحن لا علاقة لنا بالياسمين، والنهار، والضحك الندي الدافئ إلى حد البكاء، لا علاقة لنا بالفرح والسمر وسهرات بردى، فنحن من سكة، وبردى غادر لسكة ثانية تبدو في وجهه الحزين!
نريد أن نتفرغ للحياة، وأسلاكنا الشائكة صرنا نزرعها بأيدينا من حولنا، لكي نظل تحت رحى الموت والحزن نحيا، ونعيش. نريد أن نتفرغ لخطوة حضارية تلحقنا بركب الذين تجاوزوا الجوزاء لأبعد من ذلك بكثير. ونحن ما زلنا نعيش داحس والغبراء، وكم ظننا أننا تجاوزنا الأطلال خطوة باتجاه حضارة العصر، ونريد أن نتفرغ للثقافة والأدب والشعر، والإبداع، فإذا بنا ندفع إلى ثقافة الحزن والدم والفاجعة! هل يعقل أننا دخلنا الألفية الثالثة؟! ونحن الآن نتقهقر باتجاه اللامعقول، والغياب، والزمن القاتم الغائب من مليون عام!؟ ربما لم يكتمل وجع التراب بدم المناضلين والشهداء، والأبطال الذين ضحَّوْا قبلُ ضد الغزاة والغاصبين، والطغاة، فإذا بنا نرفد أنهار دم البطولة بأنهار دم المحنة التي نحياها، ونحن صانعوها رغم أنوفنا المتجمدة من زمهرير البرد والوجع الذي يدمينا إلى حد الخرافة! كم دمشق حزينة، والجولان حزين، وفلسطين في أقسى حالات حزنها، ومرارة تصوراتها القاتمة. وكم هو التراب حزين، والأشجار حزينة، وبردى حزين، وقاسيون حزين، والوجوه حزينة إلى حد الشحوب الآثم، والعروبة حزينة إلى حد انتفاء نضالنا التاريخي عن بسمة عزتها الغابرة. ونحن حزانى إلى حد الانكسار، لذا، فلو ظهرت بسمة ندية على شفاهنا ذات حلم عابر على وسادة ممهورة بالدم والدمع، فإن ذلك سيكون من رايع المستحيلات، علماً بأننا قد دخلنا في مستحيل عاشر من أعوام لا تعد ولا تحصى، فهل معجزة يا رب نضحك فيها أخيراً عندما نضحك فيها كثيراً فتكون فاتحة الفرح؟!