الاعتدال.. وماذا بعد (داعش)؟
تتكاثف الغيوم السياسية في سماء المنطقة، خاصة في سورية والعراق. وتزداد دوائر الدخان في فضاء الشقيقتين اللتين يحتضنهما نهرا دجلة والفرات، في زمن تتعدد فيه التسميات والمصطلحات، والأجواء المثقلة بتصريحات أقطاب الصراع، والخطابات على المنابر الأممية التي تضع الأزمة السورية ومكافحة الإرهاب والتطرف والاعتدال في أولويات العمل السياسي الدولي، وغيرها من مصطلحات تنتمي إلى محاور عدة وجبهات محلية وإقليمية ودولية، وتنتقل من تسمية إلى أخرى!
إنَّ من يتابع هذه التبدلات لا بدَّ أن يطرح الأسئلة عن السبب المباشر لذلك. لماذا تبدّلت تسمية المحور العربي من (محور العداء أو الجبهة المعادية لسورية) إلى (محور التضامن العربي؟). ويجيب آخر من (الفطناء): إن هذه التبدلات أو التغيرات نتيجة طبيعية للسياسة الأميركية ولاستراتيجية أوباما التي أعلنها مؤخراً..!
وظهرت تسمية جديدة أطلق عليها مصطلح (قوى الاعتدال العربي) ضمّـت عشر دول عربية. وشكلّت ركيزة عربية – إقليمية (بالمفهوم الأوبامي) للتحالف الدولي المؤلف من أربعين دولة، وترك باب الانضمام مفتوحاً للدول التي ترغب طوعاً في مكافحة الإرهاب. وفي قول سابق للسيد أوباما وتفسيره لـ (مفهوم الاعتدال) بما معناه، قال: (ما من قوة معتدلة جاهزة وقادرة على تفتيت سورية وسقوط الدولة السورية). ويسعى أوباما ومن ضمن الاستراتيجية التي رسمها وراهن على نجاحها ضرورة إبقاء المعارضة المسلحة المتطرفة الصوت الذي يهدد سورية عالياً مسموعاً، وتقديم البديل كمصطلح موازي يمكن السير على هداه، أطلق عليه أوباما اسم(المعارضة المسلحة المعتدلة) كفعلٍ موازٍ على الأرض.
ويمكن تشبيه معادلة (التطرف والإرهاب من طرف، والاعتدال من طرف آخر) مثل (لعبة شدّ الحبل). فالإرهابيون يشدّونه من الرأس الأول والمعتدلون يشدّونه من الرأس الثاني. وجاء التحالف الدولي – الإرهابي، وهو من صنع الإرهاب وصدَّره إلى المنطقة وأسّس ركائزه في سورية والعراق، ليبني عليه سياسته، تنفيذاً لمشروع الشرق الأوسط الجديد بحجة ضرب (داعش) ومكافحتها..؟!
السؤال: هل الإرهابي يحارب الإرهاب؟ كيف تكافح أول دولة إمبريالية في العالم تبخُّ سموم الرأسمالية المتوحشة، المنظمات الإرهابية الظلامية؟ وما الفرق بين الإرهابين؟
لقد اتَّبع أوباما في خطته وتوجهاته السياسة إلى العالم (نظرية الثابت والمتحول)، فالثابت في السياسة الأميركية إرهاب الدول في منطقة الشرق الأوسط، وإعادة أجواء الحرب الباردة إلى سابق عهدها من جهة، والحفاظ على أمن إسرائيل والدول الخليجية النفطية وقواعدها في مياه الخليج العربي والبحر الأحمر وشركاتها (فوق القومية) لسرقة الثروات النفطية والباطنية من جهة ثانية. أما المتحوّل فهو سلوك طريق الكذب والهيمنة والمكيال والكيل .. وكما يتصور الساسة الأميركيون، أن هذا الطريق من أسهل الطرق، وهو النهج القديم الذي لن تتخلَّى عنه في القرن الحادي والعشرين، مهما كانت التطورات ضدّها أو تساندها وتقف إلى جانبها، فهي مع الإرهاب من جهة، وضد الإرهاب المتطرف، ومع المسلحين المعتدلين من جهة ثانية.
إنَّ أوباما الذي قطع نصف المسافة في ولايته الثانية، لم يستفد من دروس من سبقه من الرؤساء، وأمسك العصا من المنتصف، ورفع يده اليمنى ضد (داعش) ويده اليسرى للحل السياسي للأزمة السورية.. وإذا صفَّق له الجمهور أثناء خطاباته، تتعانق كفَّاه، بمعنى أنه يسير على سكتين متعارضتين: واحدة لقتال الإرهاب والثانية للحل السياسي..! ولم يتطرّق الرئيس الأميركي الذي يقود تحالفاً دولياً لمكافحة الإرهاب، إلى من يصدّر ويموّل ويدرّب المسلحين العرب والأجانب ويرسلهم إلى سورية والعراق ودول عربية أخرى.
لماذا ألقى أوباما قرار الأمم المتحدة في سلة المهملات، وهو قرار ملزم لوقف تدفق المقاتلين الأجانب إلى سورية والعراق، واحتواء الخطر الذي يشكلونه على بلدانهم الأصلية؟ ومن الطبيعي أن السيد أوباما قرأ القرار رقم 2178 الصادر بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة إلى (نزع أسلحة جميع المقاتلين الإرهابيين الأجانب، ووقف جميع الأعمال الإرهابية أو المشاركة في الصراع المسلح).
ويظلُّ السؤال للمستقل غير البعيد: ماذا بعد (داعش؟).. هل الحل السياسي هو الطريق إلى إنهاء الأزمة السورية أم استمرار الحرب؟