الإسلام السياسي إلى أين؟

أفرز الحراك الشعبي العربي المتواصل على مدى أكثر من عامين عدداً من الظواهر الأساسية، منها الصعود الطاغي للإسلام السياسي، على نحو لم يعرفه منذ سقوط الخلافة في العام 1924. علماً بأن هذا الصعود، بالمدى الذي سجله، يعود لأسباب مختلفة، لعل أهمها، غياب التنظيم الثوري الذي يمثل ويعكس الأهداف العامة لهذا الحراك الشعبي الذي ساهم فيه عشرات الملايين من الجماهير العربية. وهكذا، فإن حالة ثورية على مستوى القاعدة الجماهيرية، مع غياب القيادة الثورية المطلوبة، أفسح المجال أمام الإسلام السياسي، المنظم والمعبأ، ليكون البديل المتاح.

لكن هذا الصعود الذي تتوّج، في عدد من الحالات، بالوصول إلى السلطة، حمل معه صراعاً متفاقماً بين معسكرين أساسيين من هذا الإسلام السياسي، جرى الفرز بينهما منذ البدء: معسكر تنظيم الإخوان المسلمين الدولي، مدعوم بكل من قطر وتركيا. بينما المعسكر الآخر تقوده السعودية الوهابية، ويضم بقية دول الخليج والأردن وفلول نظام مبارك. وقد امتد الصراع والمنافسة بين هذين المعسكرين إلى مختلف الساحات العربية، لكنه بدا جلياً على نحو خاص في الساحات الساخنة. فعلى الساحة السورية، بينما كان المعسكران المذكوران يلتقيان في التآمر عليها، وفي تجنيد المرتزقة وتمويلهم وإرسالهم للقتال فيها، كانا يتصارعان حتى على المواقع الثانوية في الأطر المفتعلة التي تجري إقامتها باسم المعارضة السورية. أما في مصر فصورة هذا الصراع بدت أشد وأقوى. في الجولة الأولى، ما بعد إسقاط مبارك، كانت النتائج لصالح معسكر الإخوان وحلفائهم، بالاستناد إلى دعم واشنطن التي راهنت على هذه الحركة، لا في مصر وحدها، وإنما على مستوى المنطقة.

بينما الجولة الثانية التي أسفرت، حتى الآن، عن إسقاط سلطة الإخوان، تشهد محاولات مكثفة من السعودية وأتباعها للسطو على ثمار الحراك الأسطوري لعشرات الملايين من الشعب المصري، بما في ذلك إعادة الاعتبار لنظام مبارك والذي تتوج بإطلاق سراح المذكور، يداً بيد مع تصعيد عملية تصفية حركة الإخوان.

وإذا أخذنا بالحسبان أن النظام السعودي كان، على مدى عقود طويلة، المصدر الأساسي لدعم حركة الإخوان وتمويلها، واحتضان عناصرها الفارة من بلدانها، من مصر عبد الناصر، منذ العام ،1954 ومن سورية منذ بداية الثمانينيات، وغيرهم، وأنه بفضل الأموال السعودية أفلحت هذه الحركة في تشكيل بنية تحتية لنفوذها في عدد من البلدان العربية، وبضمن ذلك في الأراضي الفلسطينية المحتلة.. إذا أخذنا هذا بالحسبان، فما هو التفسير لتحوّل هذا الحب والغرام إلى هذا العداء القاتل؟

يرى بعض المراقبين أن ذلك يعود إلى السببين التاليين:

 الأول – الرعب الذي اجتاح العائلة المالكة السعودية، عقب بروز ملامح صفقة بين واشنطن وحركة الإخوان، تأكدت مع وقوف واشنطن لصالح وصول ممثلي هذه الحركة إلى السلطة في مصر وتونس، وإلى مواقع مؤثرة في ليبيا والمغرب. لقد بدا لحكام السعودية أن هذه الصفقة تشمل العالم العربي كله، وأنهم غير مستثنين. لذلك، غدا دحر وإفشال هذه الحركة قضية مصيرية بالنسبة لهم.

أما السبب الثاني، فهو أن سلطة الإخوان المسلمين في بلد مثل مصر، بحجمها وثقلها، وتضم مؤسسة الأزهر الإسلامية الشهيرة، يمثل تحدياً خطيراً لزعامة السعودية للعالم الإسلامي السني، وهي – أي هذه الزعامة – ذخرهم الأيديولوجي المتبقي، في ظروف عزلتهم الشعبية.

وهنا، يبرز السؤال: ما هو موقف واشنطن من هذه الصراعات المتفاقمة بين أتباعها الأقربين في المنطقة ؟ في البدء، لا بد من ملاحظة أن واشنطن المنهكة من حربي أفغانستان والعراق، ومن الأزمة المالية – الاقتصادية الحادة، تحوّلت لخوض حروبها وبعض نشاطاتها بالوكالة، كما بدا جلياً في ليبيا ومالي. وعليه، ففي المرحلة الأولى التي أوصلت الإخوان المسلمين إلى السلطة في مصر وتونس، بدعم من واشنطن، أوكلت الأخيرة ملف توجهاتها في عدد من الساحات العربية الساخنة، كسورية، إلى حكام قطر، الأكثر حماسة لمشروع هيمنة حركة الإخوان المسلمين في المنطقة. آنذاك، كان رئيس وزراء قطر السابق يصول ويجول، مشهراً محفظته، في توزيع الرشا وشراء الذمم وتجنيد المرتزقة وتسليحهم.

ولكن بعد أكثر من عام من الفشل في سورية وفي تحقيق الاستقرار في مصر، إذ تواصل الحراك الشعبي، وهو أخشى ما تخشاه واشنطن، تحسباً من أن يؤدي استمراره وتصاعده لانتقال الأمور إلى أيد راديكالية تفقد واشنطن السيطرة نهائياً على هذا البلد المحوري في المنطقة، بعد كل هذا قامت واشنطن بنقل الملف المذكور إلى أيدي السعوديين، وحلّ محل حمد القطري بندر السعودي، الذي يعزى إليه تصعيد التفجيرات في العراق ولبنان، ودعم فلول نظام مبارك في مصر. لكن هذا غير كاف وحده لتفسير تخلي واشنطن عن دعم سلطة الإخوان في مصر وما يترتب على ذلك من تداعيات في بقية المواقع التي حققت فيها هذه الحركة مكاسب هامة مؤخراً.

إذ على الرغم من إعلان واشنطن بأنها لم تفاجأ بإسقاط مرسي، وعدم اعتبارها ذلك انقلاباً عسكرياً، وما يعنيه ذلك من استمرار المساعدة العسكرية للجيش المصري، بل وإيعازها قبل ذلك مباشرة بالتغييرات في قطر وما ترتب على ذلك من تواري القطريين وتصدّر السعوديين للمشهد، فإن واشنطن بدت قلقة على مصير حركة الإخوان، ومعنية بالحفاظ عليها.

يعود سبب هذا القلق، إلى أن استراتيجية واشنطن، في المنطقة، في ظروف عجزها عن التدخل المباشر، تقوم على تشكيل تحالف سني في المنطقة ضد شيعتها، أي ضد محور إيران – سورية – حزب الله. لكن العداء بين حكام السعودية ونظام الإخوان المسلمين في مصر، وعجز واشنطن عن معالجة هذا العداء، يجعل تحقيق هذه الاستراتيجية غير وارد. وإذا كانت كل من مصر والسعودية تمثلان القطبين الأساسيين اللذين لاغنى عن أي منهما لبناء هذه الاستراتيجية، فلا مناص، والحالة هذه، أمام المساعي لبناء هذه الاستراتيجية، من التضحية بالنظام في أحد هذين البلدين الرئيسيين في المنطقة. لكن عدم قدرة واشنطن على تجاهل إرادة عشرات ملايين المصريين بإسقاط سلطة الإخوان في مصر، لا يعني بالضرورة التخلي عن هذه الحركة ذات الأبعاد الإقليمية والدولية، باعتبارها مكوناً له وزنه في كل محور سني، واحتياطياً استراتيجياً في المنطقة، كما تؤكد نشاطاتها الجارية في سورية وغيرها.

لكن يبدو أن السعودية لا تكتفي بإقصاء الإخوان عن السلطة في مصر، بل تدفع لتصفية هذه الحركة، إلى حد الإعلان عن الاستعداد لتعويض الجيش المصري بدل المساعدة المالية الأمريكية، إذا أقدمت واشنطن على إيقافها عقاباً على تصفية هذه الحركة ومطاردة عناصرها. ولعل هذا (التحدي) السعودي لإرادة واشنطن يعبّر عن وهن وتراجع هيبة واشنطن لدى أتباعها، الذي راح يتكرر في المنطقة.

وعلى كل حال، فإن اندلاع الصراع بين أجنحة الإسلام السياسي على المدى الجاري أمامنا اليوم، والمرفق بفتاوى دينية. بلا حساب، على طرفي هذا الصراع، والتي تبرر الشيء وضده، يمثل معولاً بالغ الفعالية في هدم بنيان الإسلام السياسي الذي جرى تشييده على مدى عقود، ويحقق خطوة نوعية على طريق الإصلاح الديني، بفصل الدين عن الدولة، ووضع حد لابتذال الدين بتسخيره لمصالح أنانية.

العدد 1188 - 25/02/2026