المُخدّارت.. بين المشاكل الشخصية والحروب الدولية
أسئلة كثيرة تطرحها مسألة إدمان المُخدّرات، وسننطلق بداية ًمن وجهة نظر الطرف الآخر(المدمنين) حول تلك المواد المُخدّرة..
(بتخلّيني مروّق ومبسوط- حبّة وحدة بتفتّح المخّ وبتخلّيني اتنشط- بتنسّي الهمّ وبتسعد أياميّ) هي عباراتٌ سمعتها ممّن يتعاطى المُخدّرات، وسمعناها جميعاً عبر المسلسلات والأفلام التي تتطرّق إلى هذه المسألة.. فما هو مدى مصداقية هذه العبارات؟ ولماذا يُقبل بعض الناس على تغييب الأداة التي تميزهم عن الحيوانات ألا وهي العقل؟ ولماذا يسعى لخفض سوية أداء عقله بينما لا يقوم بالمثل تجاه أعضاء جسده الأخرى كالرئتين مثلاً؟ وهل تعاطي المُخدّرات رائج في المجتمعات للأسباب ذاتها؟ أم تختلف أسباب الإدمان من مجتمع إلى آخر؟
في الدول النامية والدول التي يستنزف النظام الرأسمالي مواطنيها ، يُروّج إدمان المخدرات لأسباب ٍعدة، كانتشار الجهل بمخاطرها وبسبب ضغوط الحياة وشعور المواطن باليأس، فالعقل يعجز عن حل المعادلات الحياتية الاقتصادية وعن تقريب فترة تحصيل الاحتياجات الأساسية كالسكن على سبيل المثال، واضمحلال شعور الفرد بالعدالة الاجتماعية، وبإمكانية تحصيل مستقبل مستقر وسعيد في معظم نواحيه، لذلك يُجازف ويستبيح اللحظة ويسعى إلى نشوات الإدمان.. وهذه الفئة من الناس اختارت أقبح أشكال الهروب عوضاً عن مواجهة الواقع، ولجأت إلى الإدمان الذي يزيد عملياً من أعبائها ويستنزف صحتها وأموالها، ويُقلّص علاقاتها الاجتماعية ويُحطّم الروابط الأسرية الخاصة بها.. فالمدمن هو في الكثير من الأحيان هاربٌ نحو الهاوية، ومدعاة ُ للشفقة لأنه الوحيد الذي يبتسم بسذاجة وهو يسقط نحو القاع.
وقد أجمعت دول العالم على تجريم ترويج المُخدّرات لما فيها من إضرار بالمجتمع وهدر لطاقاته، وقد ثبت بالوقائع أن المُدمن مصدر خطر قائم أو مُحتمل على من حوله.. ورغم أن هناك أشخاصاً يدمنون المُخدّرات في بعض الدول التي يتمتّع المواطن فيها برفاهية الدخل المرتفع، ولا يضطرّ إلى السرقة أو الانخراط بأنشطة غير مشروعة لدفع ثمن المخدرات وإشباع جشع تُجّارها، إلاّ أن تلك الدول هي رائدة في مكافحة ظاهرة الإدمان، وتخصص ميزانيات كبيرة لتلك الغاية، وقد خاضت الصين حروباً(حروب الأفيون الأولى استمرت مابين 1840- 1842 وحرب الأفيون الثانية من 1856- 1860 ضدّ عدّة دول على رأسها المملكة المتحدة(بريطانيا) بسبب سعي تلك الدول لنشر المُخدّرات في الشارع الصيني.
وإن كان الإقبال على المُخدّرات في الدول المتقدمة مردّه إلى رغبة الناس في تجربة شيء جديد وعيش أجواء اللّذة والسعادة والمرح السحرية المزعومة، التي يُروّج لها مدمنو المُخدّرات وتُجّارها، إلاّ أن أيّ سعادة مصدرها لا موضوعي هي سعادة زائفة وزائلة، وليس حريّاً بنا الخوض فيها مجازفين بكياننا الإنساني والاجتماعي، وأيّاً كانت مصادر المُخدّرات(طبيعية أم صناعية) فهي جميعاً تشترك في تأثيرها على الجهاز العصبي، وفي حال إدمان تناولها فهي تؤثّر عليه على المدى البعيد أيضاً، وعندما يشعر مَن تناولَ المُخدّرات بأنه بات أذكى ومَرِحَاً أكثر وسعيداً أكثر، فذلك الشعور مصدره لا موضوعي.. مصدره تغييب العقل وفاعلية العمليات العقلية، فإذا جلس رجل سويّ بين مجموعة من المدمنين سوف يُلاحظ مدى بلادتهم وسماجتهم بينما هم يحسبون أنفسهم – لأن عقولهم غائبة بنسبة ما – أنهم باتوا أكثر نشاطاً وحيوية ومرحاً.
الأزمة السورية وانتشار المُخدّرات:
حين تدبُّ الحروب والفوضى، يزداد عدد المدمنين خاصة من فئة الشباب، لأن نظامهم الحياتي وقيمه قد انهارت جزئياً تحت وطأة الصراعات الدموية، وتجنح فئة لا تتمتع بالوعي والقوة النفسية إلى تناول المُخدّرات كي يغيب إدراكها لجزء من الواقع المأساوي الذي تعيشه. وفي أزمنة الفوضى تنشط السوق السوداء بكل سلعها (المحظورة عادة) وتستغل الفساد وتُكرّسه كي تضمن ازدياد تدفق بضائعها نحو شوارع تلك البلدان، وإذا ما تتبعنا تصريحات الجهات المحلية والدولية المختصة بمكافحة المُخدّرات، نجد أن حبوب(الكبتاجون) وأنواعاً أخرى كثيرة من المُخدّرات الرخيصة انتشرت بوتيرة مُتصاعدة في سورية ومصر وعددٍ من الدول التي تشهد حروباً مدمّرة، إضافة إلى أن العديد من الفئات المُتحاربة والمليشيات تشجع تداول بعض أصناف المُخدّرات بين أفرادها، فبعض أصناف المُخدّرات إذا أُخذت بكميات منضبطة تُنَشّط الجهاز العصبي وترفع الأداء القتالي وقدرة التحمّل( للجوع والبرد والسهر.. الخ) وتجعل خوفهم يتلاشى بسبب انخفاض قدرة عقولهم على محاكمة الأمور واحتساب نتائجها، وتضمن بقاءهم في صفوفها لأنهم مُدمنون، وهي تُشكّل مصدراً آمناً وثابتاً للمُخدّرات.. ولا تأبه العديد من أطراف النزاع خلال الحروب عادة بسلامة أفرادها على المدى الطويل، بل تُركّز اهتمامها على حفظ وجودها وتكريسه.
ولعل طرد مثل تلك المليشيات خارج البلاد، ومحاربة الفساد، والسعي للقضاء على الطبقية المُتنامية، وتخليص المواطن من اليأس الذي يدفع عادة إلى الشذوذ واتباع الوهم، وتجريب طرق ملتوية للوصول إلى سعادة ما.. ومنح المواطن شعوراً بأنه سيعيش يوماً ما عدالة اجتماعية فعلية.. كل هذا سيساهم بقطع الطريق على تُجّار المُخدّرات، وبالتالي إنقاذ الطاقات المهدورة لمجتمعنا واستثمارها في مرحلة إعادة الإعمار.