المُخدّرات… قضية لا تؤجّل
المُخدّرات آفة…؟ نعم…
لكن عندما تقول هذا الكلام لشخص مُدمن أو يتعاطى المُخدّرات فسيضحك من كلامك.. وإن في قلبه، وذلك أضعف الإيمان. ربما ينظر إليك نظرة شفقة بأنك لم تُجرّب ذلك الإحساس الجميل الذي ينتابه خلال التعاطي، أو نظرة تعالي بأن هذا الدرويش لا يعرف معنى السعادة والتحليق الذي يعيشه خلال تعاطيه، وأحياناً نظرة حقد على من يريد سلبه لحظاته الحلوة كما يعتقد.
يكاد موضوع التدخين يكون قريباً من حالتنا، لأن التدخين مسموح به رغم أضراره الكبيرة، فحين تسأل مدخناً لماذا تُدخّن وأنت تعرف أنك بذلك تؤذي جسدك وميزانيتك؟! فإنه سيضحك من سؤالك….
وستلحظ عناداً وتشبثاً واستهانة بالآراء والدراسات التي تُحذّر من الأضرار والمخاطر إذا كان المُتعاطي شابّاً في مقتبل العمر، إذ ينزع الشباب(والصبايا طبعاً) في هذه المرحلة العمرية إلى إثبات استقلاليتهم، بالإقدام أحياناً على تصرفات تُنفِّرُ منهم الأهل والوسط المحيط بهم، لمجرد إثبات الذات. فيبدأ غالباً بمحاولة تجريب أمر منبوذ اجتماعياً وممنوع قانوناً، بما يعنيه من لذّة الاكتشاف ومغامرة الخوض في الممنوع، ثم يتطور ذلك السلوك غالباً شيئاً فشيئاً إلى الإدمان.
لا يتسع المجال هنا لإيراد إحصاءات وأرقام تتوفر في الدراسات المختصة والتفصيلية عن هذه الظاهرة، وهي تملأ الفضاء الإلكتروني وبطون الكتب والمجلات. لكن من أضرار المُخدّرات: عدم القدرة على العمل- الفشل في الدراسة والحياة عامة- إهمال الأسرة وواجباتها- التدهور الخلقي والاجتماعي- الكسل وإهمال الواجبات عموماً- قد يبيع المُدمن نفسه وأسرته ومجتمعه ووطنه من أجل المُخدرات التي أصبح يعبدها وتتحكّم فيه.
وهي تتسبب صحياً بتلف المخ والكبد والرئتين والجهاز الهضمي والقلب، إضافة إلى تأثيرها على النشاط الجنسي، فهي تُقلّل من إفراز الغدد الجنسية، وبالنسبة للأم الحامل فإن لها مُضاعفات صحية على الجنين من إعاقات جسدية أو عقلية.
أما تأثيرها الأكبر والأوضح فهو على الجهاز العصبي، إذ تُسبّب التهابات في المخ مما يؤدي إلى تآكل الخلايا العصبية التي تكوّن المخ، والأمراض النفسية التي تظهر أعراضها أيضاً على المدمن.
تقول دراسات مركز الأمم المتحدة الإنمائي إن نسبة المدمنين على مستوى العالم تصل إلى حدود 3% من سكان المعمورة، وهو رقم مخيف لا يقلّ خطراً عن انتشار الحروب وأسلحة الدمار الشامل والأوبئة وغيرها.
الخطر الأكبر يتمثّل في أن الجزء الأكبر من متعاطي هذا السمّ هم من الشباب، والشباب الصغار تحديداً، لذلك لا بد أن تتجه حملات التوعية ومكافحة المُخدّرات إلى هذه القطاعات أكثر من غيرها، وأن تلتزم المؤسسات والشركات والمنظمات الحكومية والخاصة بمسؤوليتها المجتمعية في تخصيص جزء من موازناتها لهذا الغرض المهم والضروري لحماية المجتمع من هذا الوباء الفتّاك.
وفي ظروف الحروب والنزاعات تزدهر هذه الظاهرة بسبب ضعف سلطة القانون، وانتشار الفوضى والبطالة والآفات النفسية والتشوهات الاجتماعية، وخصوصاً في حالات الحروب الأهلية كتلك التي تشهدها بلادنا منذ أكثر من خمسة أعوام جرى فيها تدمير كبير للبنية التحتية، وتشريد أكثر من نصف سكان سورية، وهجرة ملايين السوريين، وانقسام وطني خطير.
لقد خلق فقدان سلطة القانون على أجزاء كبيرة من سورية، وانتشار السلاح والمجموعات المسلحة غير النظامية بيئة خصبة للاتجار وتعاطي المخدرات، لأن هذه المجموعات أداة جاهزة لتجارة المُخدّرات ونشرها أيضاً.
وقد قدّمت الحروب الأهلية التي جرت في أكثر من بلد(أفغانستان، كولومبيا، لبنان، العراق….) أمثلة فاجعة على علاقة الحروب بانتشار المُخدّرات.
الآن في سورية، يجدر بكل سوري حريص على إنقاذ ما تبقى من البلاد مجتمعاً وبلداً، المطالبة بإيقاف هذه الحرب أولاً وقبل كل شيء، لكن هذا لا يعني تأجيل القضاء على ظاهرة الإدمان والاتجار بالمُخدّرات إلى ما بعد انتهاء الحرب ومعالجة آثارها.
إن المهمة صعبة وتكاد تكون مستحيلة، لكن التصدي لها ومعالجتها هو بالأهمية نفسها لأهمية معالجة قضايا وطنية كبرى كالإرهاب والطائفية والجوع والتشرد والديمقراطية….الخ.