قراءة سريعة لما يدور في رؤوس الناس
تزداد سرعة دوران الأفكار والهواجس في رؤوس المواطنين مع ازدياد استفحال الأزمة، وتأثيرها السلبي على حياتهم في الحاضر والمستقبل.
وتتراكم الهموم لدرجة أن مساحات ذاكراتهم لم تعد تتسع لأية إضافات جديدة. ورغم شظف العيش، وصرف ما بقي من المدخرات. وفشل شعار(اصرف ما في الجيب يأتك ما في الغيب) أو قول: (لا تهتم بالغد فالغد يهتم بنفسه) وغيرها من الأمثال والأقوال، إلاَّ أن واقع الحال غير ذلك.
ورغم سوء الواقع المعيش والركض اليومي وراء لقمة العيش، إلاَّ أن المواطن السوري الغيور على وطنه في ظل الأزمات الحالية العاصفة، يهجس بثلاث لاءات هي: مناهضة الفكر السلفي الإخواني الوهابي التكفيري أولاً. ومناصرة الجيش السوري الذي يقدم التضحيات الجسام يومياً ويتابع انتصاراته على الإرهابيين ثانياً. والصبر على ارتفاع الأسعار المجنون وعدم تحمّل نيران الأسواق، أصبح عنواناً لفترة زمنية طويلة، وضياع مفتاح الفرج في أدراج الحكومة ثالثاً. ويجمع المواطن هذه اللاءات تحت خيمة الأمل.. ويرى أن من يقتل الأمل في نفسه مهما كانت قوته وجبروته هو عدو للوطن والفكر والروح والجسد!
وفي كل ساعة وكل يوم، وأينما كنت في السرفيس أو في باص هرشو والدوار الجنوبي وياسمين الشام، أو في المنزل وفي أماكن العمل، يدور الحديث عن الأزمة وعن المجازر التي ينفذها المجرمون القتلة، وهو الخبز اليومي وفيتامين السياسة، إضافة إلى العناوين التي أصبحت محفوظة تماماً كالنشيد الوطني ومنها: أسعار البندورة والخيار والبطاطا والفاصولياء والبصل والثوم والطرخون والكزبرة والنعنع والبقدونس وغيرها. عدا العناوين البارزة في الصحف وأقوال الأمريكيين والعثمانيين والخليجيين وغيرها من أسطوانة الغاز والفواتير، وإلغاء الدعم ورفع سعر المازوت والبنزين والكهرباء و و و..
ويتحدث المواطن، وهذا حق مشروع من حقوقه، عن طبقه اليومي وعن حماية معدته ومِعَد أبنائه من الخواء، وعن جيوبه الفارغة التي لم يعد أحد يعطف عليها ويدسّ فيها بعض النقود، بعد الثلث الأول من كل شهر.. عدا مراقبة أسعار العملة أثناء أو بعد نشرة الأخبار.. ولا أدري ماذا يهمّ صاحب الدخل المحدود من ارتفاع الدولار وانخفاضه، ما دام راتبه لا يزيد قرشاً واحداً.
وعلى سبيل النكتة، أو أن الحقائق تحولت إلى نكات يتداولها المواطنون، خاصة ربات البيوت أثناء القيام بواجباتهن اليومية وما يسمى ب(الصبحية)، قبل الذهاب إلى سوق الخضار، واجتماعهنَّ حول صينية القهوة وتشريع السيجارات بأدخنتها المهربة التي تحمل معها رائحة بلدانها. قالت إحداهنَّ والابتسامة ترسم على محيّاها خريطة الهموم، وقتل أية طموحات كانت عالقة في سقف ذاكرتها… قالت أم ربيع التي غيَّرت اسم ابنها إلى (نضال)، نكاية (بالربيع العربي) وب(نبيل العربي) و(عربان النفط والغاز)، قالت: درت وحرت كأنني أنقّب عن إبرة في بحر سوق الخضار.. كانت نيران الأسعار تحرق أغصان الأمل.. ولم تعطِ شجرة الحياة الثمر رغم اخضرار أوراقها. وتيقّنتُ أن البراعم لن تتفتح أبداً بعد اليوم.. لذلك فكرت بالقيام بتجربة جديدة لا مثيل لها. وبهذا أكون قد نفذتُ رغبة جامحة تحفر ممراً لها في قلبي أو نافذة تطلُّ منها على العالم. فاشتريت عِرْقاً واحداً من البقدونس والطرخون والكزبرة والنعنع وحبّة بندورة واحدة وخيارة واحدة.. وشكلتُ منها باقة أو طاقة متنوعة الألوان والروائح، ووضعتها في أصيص زجاجي صيني من النوع الرخيص في ركن بارز في الصالون.. وقرأت البلاغ رقم واحد أثناء اجتماع العائلة حول مائدة الغداء. وقلت بصوت جَهْوَري مأزوم: كل من يشتهي أن يرى هذه الخضار يمكن أن ينظر إليها بشهية. وكل من يتذكر طيب رائحتها،عليه أن يدسّ أنفه بين عروقها ويشمّها، ربما في الشمّ تتحقق الآمال والأماني..!