الأمن لأجل الأمن الأمن لأجل الوطن
الأمن مطلب يحفز إليه حب البقاء وسهولة العيش، لما بين البقاء والأمن من ترابط. وهو ليس مطلباً بشرياً فقط، بل مطلب جميع المخلوقات الحية، ولكل منها طريقتها وأساليبها في معالجته، وهو مرتبط بغرائزها. إذاً هو مطلب غريزي فطري يقود إلى نشاطات في سبيل الحصول عليه وإدامته.
بعض الكائنات تجده في طريقة بناء جحورها وتمويهها، أو بدقة التخفي عن الأعداء المحتملين، أو في سرعة الهرب والمراوغة، أو التظاهر بالموت، أو يكون في تركيبها البيولوجي كالسم، أو الفيزيولوجي كالمخالب والأنياب، والقوة على الافتراس. وكل هذه الأشكال والأساليب ذات منشأ غريزي عضوي، منطلقه رفض الفناء.
في ذروة الوسائل التي تتزود بها المخلوقات للحصول على الأمن، يقع العقل عند الإنسان، والذي يجعل الأمن عملية ثقافية، لأنه مع قوته البيولوجية والفيزيولوجية، فهو يعاني ضعفاً من هذين الجانبين تجاه مخلوقات أخرى، وتجاه جنسه، يعوضه بالثقافة ودور العقل، ويجمع بذلك الغريزة والعقل معاً. والعقل يهذب الغريزة للخروج من وحشيتها، ويحسن تقدير وتدقيق الإجراءات، ويستدرك النواقص والاتجاهات التي يمكن أن تؤدي إلى انتهاك وتهديد أمنه ويتحوط لها.
ضمان السلامة والبقاء يجعل الأمن مرتبطاً بتأمين الغذاء والمأوى الجيد واستمرار النسل…إلخ، وهذا مع وجود العقل يسير من تحسين إلى تحسين أكثر. والتحسينات لا ترتبط بتأمين البقاء، بل أيضاً بنوعية الحياة التي لا تتوقف عن طلب الجديد فيها، ما يدفع لمسارعة الخطا لتطوير كل مطور وتجديد كل جديد، ما يزيد الطمأنينة أكثر، ويخلق أبواب قلق متجددة، والأمران لا يتوقفان.
ربما كان هذا من أبرز الدوافع لتأسيس المؤسسات كأنظمة الحكم، كي تضمن بذلك استتباب الأمن وترعاه كأحد أهم المنجزات الثقافية للجنس البشري (العاقل)، الذي لا يتوانى عن الانخراط في حالة تهذيب الغرائز التي لا سبيل لها مثل الوسائل الثقافية كالفنون الراقية والفكر. وهذا ضمان ألا ينقلب الأمن إلى حالة غريزية مجدداً.
هاجس الأمن لا يوفر الهدوء للإنسان ما لم تكن الثقافة أهم ركائزه، وعندما يخوض الحروب منتهكاً الأمن من أجل الأمن، يصبح في مواجهة نفسه. فعندما يتقابل الأعداء المتناحرون، يكون في أعلى أهداف كل منهم، تأمين الأمن للذات، ما يقتضيه انتهاك أمن خصومه، فيغدو الأمن على حساب الأمن، وهذا من مخرجات الحروب. وللبشرية جمعاء أن تقدر كم من الأرواح أزهقت، وكم من الأموال، بحثاً عن مطلب مستعص؟!
أحد أهم أشكال الأمن، هو الأمن عن طريق القوانين والثقافة القانونية، فقد وجدت الشعوب منذ القديم أن للحروب ما بعدها، وما بعدها وبتأثير الأذيات التي تحدثها، أن توضع الحدود لعدم العودة إليها، أو لاستصعاب ذلك، وهنا تكون الترسيمات والحدود هي الصياغات القانونية او الاتفاقات والأعراف التي يتواضع عليها المتقابلون كي لا يعودوا إلى المواجهة والعنف، وصولاً إلى الأمن، ويتناقلها الآخرون.
لم يتحقق الأمن يوماً بشكل مطلق، لأن هناك قوانين مانعة من الخروج عليه، وهذه قد تسهم في إنشاء الأمن في مجتمعات وصلت إلى سوية وعي وثقافة بحيث تشيع الأمن الداخلي في مجتمعاتها، ويبقى نسبياً. لكن ما يفاجئ أن القوة المتحصلة لدى جهة ما، كثيراً ما تغلب وعيها وثقافتها الفاعلة حين يتعلق الأمن بالآخر.
فالدول الإمبريالية التي تعمل على إشاعة الأمن الداخلي في مجتمعاتها، لا تتردد في شن الحروب على الشعوب الفقيرة، أو تواجه بعضها تحقيقاً لمصالحها، وقد يدفع إلى ذلك فائض القوة عندها، الذي يزيد عن حاجة استخدامها الداخلي. فتطمع في سلب خيرات الشعوب على الرغم من انتشار الثقافة الرفيعة والفنون المهذبة للنفوس بين أبنائها، ما يجعل الثقافة تتناقض مع غرور القوة وغطرسة الساسة في هذه الدول.
حقوق الإنسان، والمواثيق الدولية والجهوية التي جرى التوافق عليها، لم تتردد في جعل الأمن في طليعة اهتماماتها، وعملت المنظمات الدولية على وضع القيود والترسيمات على نشاطات الدول والشعوب منعاً للاحتكاكات التي تخل بالأمن. لكن ذلك لم يمنع الأقوياء من انتهاك الأمن بسبب المصالح، وأن تشن الحروب لذلك، وليذهب الأمن والقوانين إلى الجحيم! وبضمنها تلك التي تكافح جوع الجياع والتشرد واغتصاب الحقوق وغيرها، مع غطاء مغلف بالقيم التي تدَّعي القوى الكبرى حمايتها، وهي غير صادقة، فهي لا تهتم للديمقراطية ولا لحقوق الإنسان.
يقول أرباب الشرائع الدينية، إن شرائعهم سبقت التشريعات الوضعية في فرض الأمن على سلوك المؤمنين، وهي تستمد مرجعياتها من السماء، فحرمت القتل بغير حق والعدوان والتعذيب والتجويع والتشريد.. إلخ. لكن ومع أن هدية الكرم الإلهي لأهل الحرم أن أطعمهم من جوع و(آمنهم) من خوف، بما لذلك من دلالة رمزية، فإن شهية المؤمنين وغرائزهم العدوانية تتجاوز ترسيمات دينهم، فتقدم المصالح على القيم.
كل الناس لديهم الاقتناع بأن الأمن مهم لإيجاد الأمان الذي ينعم به المواطنون، فإذا بالأمن يتحول إلى كوابيس تتملك الناس وترعبهم، في كل أنشطتهم، حتى أصبحت الشرطة يسكنون أدمغة الناس. وإذا كان الحجاج قال لأهل العراق: لأجعلن لكل منكم شغلاً في جسده، فقد تناسل التاريخ وكثر الحجاجون، وصنعوا لكلٍّ شغلاً في جسده وعقله وروحه، وفي لقمته وكرامته وتاريخه، كي يحفظوا حدود الحاكم، (المرياع)، سيد القبيلة وشيخ الملة والمذهب والطائفة. فكيف ينتج العقل بلا ضمانات؟ لا ننسى أن الحجاج قتل مئة وعشرين ألفاً من أجل أمن بني أمية.
يفقد المواطن مواطنيته عندما تحكم القيود على حريته، والمواطنية أخذ وعطاء، فهي لا تتحقق عند فقدان الحرية، وحيث لا تتحقق المواطنة لا يكون الوطن وطناً. والأمن من جهته أصبح ممارسة روتينية تتمظهر نتائجها المحسوبة بقلة الحوادث التي تثير حساسية وشبهات رجال مدربين على التقاط أدنى إشارة. أي إنه أمن يحقق مشهدية الهدوء التي ينتجها الخوف وصرامة العقوبة. وهذا الأمن قد يحصل، لكن الأمان يظل مفقوداً في المجتمع المترقب لحظة يسرقها من يعبِّر عن بطولته متلذذاً بالخروج على الأمن.
الأمن في هذه الحالة شعار معلن تسوقه وسائل الإعلام ومثقفو السلطات، ويكون حالة من الوهم بتحقق الأمان الذي لا يتحقق إلا بتحول الأمن من أمن لأجل الأمن إلى أمن من أجل الوطن.
من حق قوى الأمن المفاخرة بهدوء بلدانها، فالأمن الذي لم يصنع أماناً، صنع بشراً (روبوتات) منضبطين خوفاً لا قناعة، فالقناعة تجلب تحت راية الحرية. والفعل أو العقل الأمني مَثَلُه مثل العقل الإيماني، يصنع سلطة، لكن يصعب أن يبني دولة حديثة.
الأمن لأجل الوطن له طريق آخر، إنه ذاك الذي يصنعه النظام السياسي الديمقراطي الذي لا استثناء من المهمات ولا من المكاسب ولا من المحاسبة فيه. إنه ذاك الأمن الذي يجلبه الحرص على الالتزام بالقوانين والأنظمة، والذي لا تطبق القوانين والعدالة فيه بمفاعيل الكرامات الشخصية. الأمن للوطن يكون بحماية الإبداع والمبدعين، والإنتاج والمنتجين، لا الفساد والمفسدين، بضمانة قانون غير متحيز، قليل الثغرات، يُشيع مناخ الطمأنينة للجميع، ينصف المنتج الحقيقي ويميزه عن المدعي. الأمن للوطن حيث لا يسود الإلغاء، وحيث تتاح الفرص للجميع دون تمييز. حيث تعترف المكونات الاجتماعية والثقافية والسياسية ببعضها، وينساق ذلك على الأفراد في ظل ثقافة لا تميز في الانتماء، وحيث يتنافس المختلفون في تقديم الأفضل، حيث حق الإنسان أن يقع في الخطأ، لكن لا يستطيع الهرب من مسؤوليته عن خطئه بمال أو جاه. الأمن يكون للوطن بالخروج من التبعية للقوى التي لم تتوان في إبقائنا في حالة تخلف منقوصي السيادة ومعوقي التنمية. يكون بأن لا نلجأ للاحتماء بأعدائنا من ظلمنا لبعضنا فنقع في أفخاخ الإمبريالية، والأهم ألا تُظلم جهة من جهة تشاركها الوطن.
يكون حين لا تكون الحماية مبسوطة للكبار والمقتدرين، محجوبة عن الضعفاء المفقَرين. عندما لا نفرق بين الأمن للحاكمين والأمن للمحكومين، وحيث لا يكون شبع الغني على حساب جوع الفقير، حيث لا يكون الأمن لأجل الأمن، بل الأمن لأجل الوطن، فينتفي الخوف والقلق من دواخل الناس.