أن تكون سوريّاً…

إلى لوركا العربي…. الصديق السوري جداً

أن تكون سورياً

كأن تقشر السماء…. تلم زرقتها… تلفها بفوضوية كأي قشور.. وترميها على أقرب امرأة..

المرأة المفتونة بالأزرق… ترمق فعلتك بمزيد من البلاهة المصطنعة… تفك أزرار غيمها.. وتهديك قطرات مطر لن تشهد في كل ما ستمر به من شتاءات مطراً مثله.

أو

كأن تفبرك حكاية عن طاحونة تغالب الريح ولا تدور… تستنفر الريح كل جبروتها لتقهر مروحة صدئة اصفرت أجنحتها… واهترأت مفاصلها… تنتهي الحكاية بأن ليس ثمة طاحونة… المروحة وحدها بقيت شاهدة على قمح كان ينقله الفقراء… وطحان عجوز كان يستقبلهم بتجهم.. يقضون حاجتهم عنده ثم يرمونه إلى النسيان.

المروحة بقيت شاهدة على هزيمة لم تكتمل… بقيت لتثير حنق الريح المغرورة…. وتبقي الحرب مستمرة حتى طاحونة أخرى.

أن تكون سورياً

كأن تبحث طويلاً عن وسائد من حرير المعنى… ثم حين تجدها تعقد معك الوسائد ميثاقاً قاتلاً:

لا تقربني ونم على حريري.

أيضاً

أن تكون سورياً

أن تجترح العيش وسط هذا الرماد والدخان، ثم تجد عشاقاً كثيرين يحسدونك على بذخ البقاء بجانب كل هذا التاريخ، كل هؤلاء النساء الساحرات، فتصفق بجناحيك وتطير إلى أعلى وأعلى… ترى المشهد من علٍ…ملكاً أعمى يرش مملكته بالعمى.. شعباً يخاتل الموت.

أيها الطاوس.. إروِ لنا غدَنا.

أيها الطاوس… اقرأ باسم هذا الدم الذي خلق.. خلق من حجر كتاباً وطواه في علبة من دخان..بلَّلَه بالنبيذ وقال: خذوا… هذا وطنكم، ابنوه ثم اهدموه… لن تجدوا كتاباً سواه.

أن تكون..

يعني أن تغسل يدك من بردى وتشرب من دجلة.. فيما الفرات يغسل حبل السرة… والبحر الأبيض يملح جرح الوقت.

يعني

أنك حي إلى الأبد.

ثم..

كأنك تفتح باباً من أبواب الجحيم،  تهب عليك الأخبار عن الخراب والتدهور الاقتصادي والاجتماعي… هكذا هي سورية اليوم بعد عامين من الحرب. 

الباقون على قيد الأمل قلة قليلة.

 يجرجر الذين لا خيار لهم سوى الإقامة وسط هذا الخراب، يجرجرون أحلامهم بغدٍ أقل خراباً، ويواصلون مقارعة الجوع بعد أن أصبح الفقر سمة ملازمة للسوريين باستثناء تجار الحروب، والذين دخلوا آلية النهب الجديدة، التي لا تعرف فضل القيمة، إذ لا حاجة هنا لأي رأسمال سوى سلاح قاتل وضمير مفقود.

وسط هذا الخراب تبتدع المخيلة السورية الثرة أساليب جديدة للعيش كل يوم، تجترح طرقاً جديدة للالتفاف على الموت.

 يكفي أن تتابع حلول المرور من أطراف دمشق ووسط المدينة حتى تجد كم تختزن بلادنا قدرات لا نهائية من التفكير واستنباط الحلول للعَصِيِّ من المشكلات.

لو أخبرك أحدهم قبل الأزمة أن كل هذه الطرق والأنفاق والشوارع سوف تغلق، لكنت جزمتَ باستحالة الحياة في العاصمة إن حصل ذلك، الآن لم يبق من شوارعنا سالكة إلا كل طويل عمر، أصبحت معدودة على أصابع اليدين، ويتم إضافة شوارع جديدة إلى الشوارع المغلقة كل يوم، ويضيق الخناق على حركة السير والتواصل بين أطراف دمشق.

اليوم وبعد أن أصبح الدخول إلى دمشق يحتاج إلى صبر أيوب (صبرت عليك يا محبوب) اقترح أحد (المتواطنين) فكرة السرفيس الطائر… وهي كالمكتوب واضح من عنوانه.

يقوم السرفيس الطائر بقطع المسافة من بداية الخط المخصص له إلى نهايته بالتحليق على ارتفاع منخفض، ويرفع راية بيضاء، كي لا يتعرض لنيران المضادات الأرضية. ولحل معضلة الركاب بين بداية الخط ونهايته صعوداً ونزولاً هناك عشرات الاقتراحات. وقد اقترحت أنا العبد لله على صاحب براءة الاختراع فتح صفحة في الفيسبوك لسبر آراء الناس وتلقي الحلول المقترحة لهذه المعضلة، وها نحن أولاء نفتحها هنا أيضاً. أما الموافقات والإجراءات التي ستستغرق أعواماً على أقل تقدير، فهي على عاتق المخترع ، هو المسؤول عن جريمته.

ما نعرفه جيداً أن الاقتراح حتى لو جاء بعد سنين سيكون أكثر إلحاحاً وضرورة، لأن الشوارع حينئذ تكون قد اضمحلت تماماً، وسيكون هناك من يردد أيضاً: خلصت.

 

العدد 1140 - 22/01/2025