شامة الدنيا

يأتيني صوتها عبر الهاتف:

ـ (شو الأخبار..؟).

تأخذني حيرة لا أدري بماذا أجيب. هل أقول لها:

ما عاد الصباح يُوقظ فينا الأحلام والأيام من غفوتها، كالمعتاد..؟

ما عاد المساء يلم شمل الأهل والجيران والأقارب في ليوان سهرته، كالمعتاد..؟

ما عاد النهار عندنا فسحة مأهولة ومأمونة للساعين والمتسكعين، في مناكبها وشوارعها، عملاً وأملاً، كالمعتاد..؟

وما عادت النفوس والجسوم تسكن إلى الليل، ترتاح فيه من أوشابها وثيابها، كالمعتاد..؟

(شو الأخبار..؟).

تسألني صديقتي عن الشام، التي اقتلعتها منها أحداث الأزمة، وأرغمتها على مغادرتها مؤخراً. تتذكر أيامنا معاً في دمشق. تصفها بأيام شامية، لها رائحة العشق والعنبر، لون الحب والحبق، وطعم القهوة والقُبَل..؟

ثم يغرورق صوتها بالدمع، فأغص بمفردات قلبي ولساني، وأنا أخبرها:

بأن قاسيون صار أكثر انحناءً فوق الشام، جلَّل الخطب هامته وبدا على عارضيه الهم والكِبَرْ! وأنَّ بردى قد نشَفَ ريقه، غاضت مياهه وجفَّ مجراه، حُزناً وحداداً، على شآمي الناس والحمام والورد والبيوت!

(شو الأخبار..؟).

وتواصل السمراء صديقتي وشريكتي في الحب والحلم والألم، أسئلتها عن مسائل وأماكن عامة وحيوية، وأخرى خاصة وحميمة، فألملم أشلاء صبري وجلادتي، أربت بكف مواساتي على كتف حزنها.. ماسحاً بأصابع حروفي دموع صوتها وعينيها، وأطمئنها قائلاً:

إن ابنة قاسيون الفينيقية الأموية، التي أهدت التاريخ، أول مدينة مأهولة بالعلم والعشق والياسمين، فرشت نعيم غوطتيها، وفتحت قلبها وأبوابها، للقريب وللبعيد، للضيوف وللزوار، ولسائر طالبي القرب من أربع جهات الدنيا. لن يُفرِّط الأهل ولا التاريخ بها، وستنهض كطائر الفينيق من رمادها، لتعود من جديد، فيحاء.. أبيَّة.. بهية.. وشامة على خد الزمن!

العدد 1188 - 25/02/2026