في ذكرى التأسيس.. ندوة اقتصادية بدمشق

النضال السياسي للحزب ترافق مع النضال الاقتصادي والاجتماعي.. أولية القطاع العام.. تشجيع الرساميل المنتجة

أقامت اللجنة المنطقية للحزب الشيوعي السوري الموحد بدمشق، بمناسبة الذكرى 90 لتأسيس الحزب، ندوة اقتصادية بعنوان (الحزب الشيوعي والمسألة الاقتصادية)، وذلك يوم السبت 29 تشرين الثاني 2014 في المركز الثقافي العربي بأبو رمانة، وقدم للندوة الرفيق إبراهيم طعمة، أمين اللجنة المنطقية الذي سلط الضوء على أبرز مواقف الحزب في المجال الاقتصادي، مؤكداً أنَّ هموم الجماهير الشعبية لم تغب عن بال الشيوعيين السوريين، إذ تركزت نضالات الحزب في الجانب الاقتصادي ضد الاستغلال الطبقي للعمال والفلاحين والفقراء من أجل حقهم في العمل ضمن ساعات عمل مناسبة، وضمان صحي أفضل، إضافة إلى الدفاع عن قوت المواطن اليومي، وحاجاته التعليمية والصحية، ولفت إلى دور الحزب في تأسيس النقابات العمالية والمهنية، وأشار إلى وقوف الحزب ضد الإقطاع وتأييده توزيع الأراضي، مؤكداً دعم الحزب للاقتصاد الوطني، ووقوفه ضد إجراءات البنك وصندوق النقد الدوليين، وأشار إلى السياسات العديدة التي تبناها الحزب في الجانب الاقتصادي سواء خلال الأزمة أو الفترات السابقة، ومن ذلك مطالبة باستمرار الدعم، ورفضه تحرير الأسعار والانفتاح نحو الخارج، وسياسات المركزي السوري خلال الأزمة، وركز على الحزب في أن الحل السلمي هو المخرج الوحيد من الأزمة السورية، إذ دعا إلى مؤتمر عام وشامل للحوار الوطني لحل الأزمة.

 

اللحام: الاستفادة من دروس الأزمة لوضع السياسات القادمة

قدم الرفيق فؤاد اللحام، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوري الموحد لمحة تاريخية عن سياسة الحزب الاقتصادية منذ التأسيس حتى اليوم، متناولاً التدابير والإجراءات التي كان يطالب بها خلال مختلف المراحل، مؤكداً أنَّ المسألة الاقتصادية ظلت هاجس الحزب منذ تأسيسه حتى اليوم، لأن الاقتصاد عنصر أساسي في النظرية الماركسية اللينينية.

ولفت إلى ازدهار دور الحزب في مرحلة ما بعد الاستقلال حتى قيام الوحدة السورية المصرية، بالتركيز على دعم الاقتصاد الوطني المستقل وحمايته، وتعاون الحزب في هذه المرحلة مع البرجوازية الوطنية من أجل ذلك، تعاون أيضاً مع عدد من الأحزاب الاشتراكية، ومنها حزب البعث العربي الاشتراكي.

كما ركّز الحزب على التعاون والاستقلال السياسي، وطالب بالتعاون مع الدول الاشتراكية لدعم الاقتصاد الوطني، وتحقق ذلك منذ أول مشروع أقامته المنظومة الاشتراكية في سورية، مصفاة حمص التي نفذتها تشيكوسلوفاكيا، كما وقف الحزب في وجه الأحلاف المطروحة حينذاك، كحلف أيزنهاور وحلف بغداد..

على الرغم من موقف حكومة الوحدة من الحزب، إلا أن الحزب أيّد التأميمات التي حدثت في تلك الفترة.

وفي مرحلة التعاون مع حزب البعث أيد الحزب التأميم، وكان هو من رفع شعار دعم القطاع العام وتطويره، ومايزال ينادي به حتى اليوم، ثم جاءت الحركة التصحيحية وتوسّع عمل الحزب وتعاونه وخاصة بعد قيام الجبهة الوطنية التقدمية.

في تلك الفترة تعمق تعاون سورية مع البلدان الاشتراكية، وأقيمت مشاريع عديدة استراتيجية كسد الفرات والسكك الحديدية إضافة إلى العديد من المعامل، وتمَّ إسناد عدد من الوزارات والإدارات إلى قياديين في الحزب مثل مؤسسة الحبوب، ومكتب تسويق النفط، وفارمكس، الري، المواصلات…

وأشار اللحام إلى نقطة التحول الهامة في المؤتمر الثالث للحزب 1969 حين وضع الحزب أول برنامج اقتصادي، وهو يقيّم الخط الاقتصادي السابق ويضع توجهاته للمستقبل.

وبالنسبة لمرحلة الانفتاح منذ عام 2000 أكد أنَّ موقف الحزب لم يكن جامداً من القضايا الاقتصادية، بل كان يتخذ موقفاً متفهماً للضرورات الاقتصادية، ولم يكن ضد أي جهد وطني لتحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية، ولكن جرى التراجع عن عدد من الثوابت والأسس كالانفتاح الاقتصادي الذي تم تحت شعارات التكامل الاقتصادي، والتعاون مع تركيا.. وبالتالي دخلت الثغرات من تلك الاتفاقيات، فالانفتاح يحتاج إلى خطوات تأهيلية سابقة له.

كما لفت إلى رسالة الحزب التي أرسلت إلى المؤتمر العاشر لحزب البعث العربي الاشتراكي، التي تناولت موضوع خلل توزيع الدخل وخلل النمو الإقليمي، ونبه الحزب فيها إلى العديد من الثغرات التي كانت فيما بعد وراء الاحتجاجات الشعبية، ولكنها لم تلقَ الاستجابة المأمولة.

والمرحلة الأخيرة هي مرحلة الأزمة التي عقدت الأوضاع الاقتصادية، فنتجت عنها أزمة مركبة، إذ دُمرت المعامل وسُرقت المنشآت، تضاف إلى ذلك الأزمة الاجتماعية التي تمثلت بالمهجرين والنازحين وارتفاع البطالة، وبروز ثقافة جديدة على مجتمعنا السوري عرفناها من خلال الخطف والقتل والسرقة، وممارسات أخرى. وعن سياسة الحزب خلال الأزمة قال: (تناول الحزب الأزمة بشكل موضوعي ولم يكن حزباً يقول لا فقط، بل كان دائماً يقدم الحلول والبدائل في كل القضايا التي اعترض عليها، كالتشاركية والمشغل الثالث للاتصالات، والقوانين والقرارات التي تمس مصلحة الجماهير، كرفع أسعار المشتقات النفطية والخبز وغيره الكثيره).

وأضاف: (رغم الأزمة مازالت السياسات الانفتاحية السابقة مستمرة، وهذا ما نلمسه في بعض التصريحات غير المقبولة التي تصدر تحت شعارات كعقلنة الدعم الذي يقصد منه تقليص هذا الدعم، والشكوى من ضعف الموارد، إضافة إلى تفاقم الفساد وانتشاره بكثرة، وعلى سبيل المثال معمل الأسمنت الذي أعطي لمستثمر معين دون مناقصة، وكذلك شركة الحديد).

وختم بالقول: إننا نقدّر الوضع الصعب والاستثنائي في سورية، إلا أنه يحتاج إلى جهود جبارة بمساهمة القطاع الخاص المنتج أيضاً، لكن يجب أن يتم ذلك بشفافية، والتأكيد على ألا تؤخذ القرارات لصالح أحد، لأننا بذلك نكون غير مستفيدين من دروس الأزمة.

 

سيروب: تطبيق التنمية من الجذور إلى الأعلى

وقدمت الباحثة الاقتصادية الدكتورة رشا سيروب تقييماً للسياسات الاقتصادية خلال العقد الأول من الألفية الثالثة، التي كان لها دور رئيس فيما وصلت إليه الأوضاع في سورية، مبينة وجود  تآمر غربي بأيادي دول كانت صديقة لسورية، إذ جهدت لقلب الاستقرار الأمني الذي كنا نعيشه، بالولوج من بوابة الظروف الاقتصادية والاجتماعية الحياتية اليومية.

وأكدت عدم اختلاف السياسات الاقتصادية خلال الأزمة عن السياسات الليبرالية التي طبقت قبل الأزمة، مع فارق  أنها أكثر تطرفاً باتجاه تنفيذ وصفات المؤسسات الدولية التي تقدَّم لجميع الدول رغم اختلاف ظروفها وأوضاعها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية… وتساءلت: هل ارتفاع معدل البطالة، و تدهور القوة الشرائية للمواطن،  وتفشي الفساد، وتخلي الدولة عن جزء هام من نشاطها الاقتصادي والاجتماعي، هل كل ذلك نشأ في الأزمة؟ وهل إلغاء الدعم (عقلنة الدعم أو توزيعه على مستحقيه)، باعتباره الحل الوحيد لعجز الموازنة، ظهر خلال الأزمة؟، وأكدت أنَّ المواطن كان ولا يزال يدفع ثمن تجربة تطبيق هذه السياسات.

وأشارت إلى أثر النمو غير المتوازن الذي عزّز الفجوة بين المدينة والريف، وفاقم الهجرة الداخلية، وتحولت العمالة من الزراعة إلى القطاعين الخدمي والصناعي، اللذين لم يتمكنا من امتصاص فائض العمالة، مما زاد اقتصاد الظل وانتشار العشوائيات حول المدن.

وفيما يتعلق بالخطط الخمسية، بينت الباحثة سيروب أنها ركزت على التحول إلى اقتصاد ريعي على حساب قطاعات الاقتصاد الحقيقي (الزراعة والصناعة)، فتراجعت الإنتاجية، وازدادت البطالة، فضلاً عن الاعتماد على الاستيراد لتلبية الاستهلاك المحلي، ما أدى  إلى ارتفاع العجز التجاري، الأمر الذي ساهم بتحول الاقتصاد السوري إلى اقتصاد قائم على الاستهلاك ولا الاستثمار.

كما سلّطت الضوء على عدد من القضايا، منها تنازل الدولة عن دورها المركزي في إدارة الاقتصاد لصالح القطاع الخاص والرأسمال العربي والأجنبي، وتخسير القطاع العام نتيجة سوء الإدارة والفساد وعدم الشفافية والمساءلة، وعدم القدرة على تحديد نقطة التوازن التي يمكن أن تقبل بها الطبقات الوسطى والفقيرة، وفي الوقت ذاته تضمن لرأس المال العمل في إطار تنافسي حر وليس احتكاري.

وبالنسبة للوضع الاقتصادي الراهن أشارت أنَّ هاجس الحكومة الوحيد خلال الأزمة كان تخفيض العجز في الموازنة العامة للدولة، وتخفيض سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار، وقالت: (اختصرت الحكومة كل مؤشرات التنمية بمؤشرين يعتبران نتيجة للسياسات الاقتصادية والاجتماعية المتبعة وليسا هدفاً).

وأشارت إلى أثر رفع أسعار حوامل الطاقة على ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتخفيض الدعم المقدم للمواطن دون أن يترافق مع تحسين مستوى الدخل، ولفتت إلى اقتصار دور المصرف المركزي على متابعة أسعار الصرف، متجاهلاً دور السياسة النقدية في قدرتها على استقرار الاقتصاد واستدامة العملية الإنتاجية.

وأكدت وجود تناقض كبير بين أهداف الحكومة وسياساتها المتبعة.

وقدمت سيروب مجموعة توصيات للمرحلة الحالية أولها إعادة قراءة مفهوم التنمية مع وضع السياسات الكفيلة بتحسين ظروف الحياة والمعيشة للأغلبية المستبعَدة والمهمشة من المهجرين والنازحين وذوي الشهداء وكل من تضرر نتيجة غياب الأمن والاستقرار، وإعادة إدخال هذه الفئة في عجلة النشاط الاقتصادي وتفعيل دورها الاجتماعي والسياسي، مؤكدة ضرورة تجاوز مفهوم التنمية البديلة لثنائيات الاقتصاد المتناقضة: ثنائية السوق والدولة، ثنائية العمل والرأسمال، ثنائية الاقتصادي والسياسي، وخلصت إلى أهمية التنمية البديلة بسياسات مبتكرة واستثنائية للاستفادة من الأزمة الحالية بوصفها فرصة لتنمية مستقبلية.

 

المنيّر: أكدنا دور الرساميل الوطنية ودعمنا القطاع العام المعافى

ولفت الباحث الاقتصادي بشار المنيّر مدير تحرير جريدة (النور) إلى أنَّ السياسة الاقتصادية للحزب عبر مراحله اتسمت بأشكال مختلفة، وقال: (لم نخوّن البرجوازية الوطنية كما فعل بعض اليساريين المتطرفين، بل أكدنا دائماً على دور الرساميل الوطنية في عملية التنمية، بالتوازي مع دفاعنا عن القطاع العام المعافى الذي يساهم في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فدعمنا القطاع العام الإنتاجي والإنشائي والصناعي..، بالتوازي مع تأييدنا لدور الرأسمال الوطني المنتج سواء في الصناعة أو الزراعة، وطالبنا في كثير من الأوقات بإعطائه فرصاً).

وبالنسبة لقضية منع الاستيراد قال: (عندما كنا نقف ضد سياسة الاستيراد لم يكن ذلك موقفاً مستمراً وإنما كان يتسم بالآنية، فقد كنا نقول حينذاك: الآن ينبغي دعم الصناعة الوطنية والقطاعات المنتجة، إذاً من مصلحة الاقتصاد الوطني أن نتوقف عن استيراد ما يمكن تصنيعه في سورية).

كما بينَّ أنَّ البعض بعد عام 2000 قال إننا نحقق نسب نمو، وكان النائب الاقتصادي السابق يعلن أن متوسط النمو بين 2002- 2009 وصل 5%، وهذا كان موضوع تفاخر لدى الفريق الاقتصادي كاملاً، لكن بين 1975-1985 في كثير من الأحيان وصلت نسب النمو إلى نحو 12%، وكان القطاع العام ينتج، والمرافق تعمل بشكل جيد، فكانت هناك عملية تنمية وليس فقط عملية نمو.

وأشار إلى أنَّ معدل النمو هو الفارق بين الناتج المحلي الإجمالي بين سنة وأخرى، وهو لا يعبر عن مفهوم التنمية، بل يعبر عن الزيادة في القيمة المضافة لقطاعات الإنتاج، وقال: (هل يؤشر هذا النمو إلى تنمية حقيقية اقتصادية اجتماعية متوازنة شاملة في كل المناطق السورية؟ هذا هو المطلوب وضعه أمام الفريق الاقتصادي وهذا لم يكن يحصل، بدليل أن المناطق الشرقية والشمالية هي أفقر المناطق السورية رغم أنها مستودع الغذاء في سورية).

كما لفت إلى انخفاض نسبة اليد العاملة في الزراعة من 38% إلى 21% خلال 6 سنوات نتيجة التهميش الشامل للقطاع الزراعي، فهجر الكثيرون الزراعة التي كنا نفاخر في العقدين الأخيرين من القرن الماضي بأن سورية حققت أمنها الغذائي عن طريق تنشيط القطاع الزراعي.

وتبع المنيّر: لقد طالبنا بتوجيه الاستثمارات لكن ذلك لم يحدث، إذ بلغ حجم الاستثمارات خلال 10 سنوات نحو 2 تريليون ليرة سورية، وكان يجب أن تؤدي إلى نمو بنسبه 7-9%، وإلى تطور نسبه الصناعة التحويلية من مجمل الناتج المحلي من 7-12%، ولكننا لم نتجاوز 8%، وحتى هذه النسب مشكوك فيها، وأما الصناعة التحويلية فتراجع دورها، ولفت إلى أنَّ الأرقام الرسمية لغاية عام 2011 تدل أنَّ نسبة الصناعة 11%، ولكننا نظن أنها لم تتجاوز 8%. وعزا ذلك لذهاب كل الاستثمارات للقطاعات الريعية غير المنتجة، والمصارف الأجنبية التي كان يجب أن تعمل مع المصارف العامة في سبيل دعم قطاعات الإنتاج وتطويرها وليس للإقراض الاستهلاكي والصفقات التجارية.

أيضاً تحدث عن توجيه الحزب لمذكرات رسمية للحكومة لتعمل على تسهيل إقراض الصناعيين، فالصناعة قاطرة النمو والتنمية، ومن دونها ستندثر القطاعات الأخرى المرتبطة بها كالورش والتجارة الداخلية والخارجية.

وفيما يتعلق بتنمية المناطق الشرقية قال: (كان من المهم الحصول على مؤشرات في حين أنه كانت تصدر معلومات عن جهات رسمية حول وجود عدد من القرى سنعمل على تنميتها وتطويرها)، وأشار إلى مؤتمر استثمار وتطوير المناطق الشرقية الذي طرح فيه 40 مشروعاً للاستثمار، لكن لم ينفذ حينذاك أي مشروع كما كنا نتوقع.

أما بالنسبة لتمويل إعادة الأعمار فأكد أنَّ الأزمة فتحت الأبواب على سيناريوهات مختلفة لإعادة إعمار ما خُرب، ويبدو أننا لسنا وحدنا نحن السوريين مهتمين بإعادة الإعمار، إذ توجد مصارف عالمية كبرى وبيوتات مالية بدأت تتجمع لتجهيز الأموال المعدة للإقراض لديها لوضعها في عملية إعادة تنمية سورية حسب سيناريوهات تعد في الخارج.

مداخلات الحضور أكدت ارتباط السياسة بالاقتصاد، ودور التوجه السياسي والاقتصادي خلال العقود السابقة في الحراك الشعبي الذي تعيشه سورية، ودعوا للبحث عن الأسباب العميقة للأحداث الراهنة لعدم تكرار الأخطاء ذاتها مستقبلاً، وشددوا على ضرورة اعتماد عقلانية اقتصادية أسوة بالعقلانية السياسية التي تحدث عنها مؤخراً وزير الخارجية وليد المعلم، وبينوا الأثر السلبي لرفع الدعم عن المواطن والإنتاج، وشددوا على ضرورة البدء بمحاربة الفساد منذ الآن، وعدم انتظار انتهاء الأزمة، إضافة إلى وضع برامج وخطط قابلة للتنفيذ، وألا نكتفي بالتوصيف لأن الشعب والمواطن لا يحتملان.

العدد 1194 - 15/04/2026