في السماء التاسعة!

ما تقوله اللغة الآن بلسان الشعر وممكناته الإنسانية الطليقة في صباحات أيلول ونهاراته المنتظرة: (ليس للغبار نقول صباح الخير، بل للتراب، وليس لقصف البارجات، بل لقصف الرعد). وما تقوله عصافير وقتنا الأخير: (نريد سماء طليقة لنسبح في فضائها ونرسم شكل الأغاني، ونلقم صغار الأرض كِسرة فرح)..

وتقول الأرض: إني فمٌ يختزن أصوات أحبابه، وإني لذاكرة البنادق التي طردت غرباء الماضي من أوسع الأبواب، العائدون اليوم من النوافذ ومن تحت الأبواب، فهل تصفون حجارتي بالحكمة، وأشجاري الواقفة بوجه الريح والموت القادم من الشرق؟!

هكذا تولم الذاكرة لفرسانها فاكهة الضوء وبهجة السرائر النقية ليكونوا أرضها من قطرة الدم إلى نسغ الأشجار، ومن قطرة الماء، إلى كثيف الحبر، ومن ألفة بيت لا ينظر إلى الفراغ، لألفة النشيد المدرسي، وشرايين الشوارع ومدائح الأصدقاء وطقوس الجيران، ومن نقاط الضوء الكثيفة في حمى الحروب، ومن الدروب.. كل الدروب التي تتسلق السحب، ومن عديد الأنهار التي تنام مساء في البحار، والبحر يختزن سره الليلة، لكنه لا يبسط أصابع موجه للغزاة. وعلى مهل تنام أسماكه في القيعان، بانتظار لن يطول، وليس للطوفان من أحاجٍ، له ذاكرة فحسب تجيدُ الحديث عن أخبارها، وحسبها أنها تختبر ربانها، لحكاية ما زالت تقول: إن ثمة قرصان ضرير، قرصان عتيق استوى بيته على جمجمة هندي أحمر، ما زال مسكوناً بفتنة اكتشاف أرضٍ جديدة، ويابسة لم يطأها، وقمرٍ يراوغه ليعتقد تاجه المنتظر، هو حارس الجحيم المنقوص الشوارع والمدن والقرى والحقول والبشر وكائنات الحياة، فليس مهماً وجه القرصان، أو وجوه من يمرون تحت ظل حذائه، ليس مهماً البتة إذا اعتقد أن الأرض عجوز، أو راحة يدٍ لا خطوط بها، أو تعرجات لا يفهمها بما تسعفه لغة لا قلب لها ضريرة أوجدته على مسرح كثير الجثث، غريق بدمٍ تشابه أصحابه.

صدق الشعر الآن، وهو يعلن خشيته من دم يراق على عنق عصفور، ويحرّض البحر لأن يعلو بالطوفان لعابري أبجديته. لقيطو الحضارة ومتسولو حروبها، وليستبقِ الشعر، بل الكلام حزنه في البحر، وليستبقِ يأسه في القيعان، وعلى الصفحة الأولى من البحر-كتاب-أجدادنا الرائعين، ستعود بنا الصواري بقصائدها الموزونة. ونقول: يا صوارينا كم كسرت على نصالك الذهبية من استحمَّت بالشمس، أحلام مارق بائس، أو عابر لم يجد الجواب عمّن سأله: ماذا فعلت الريح بك، وماذا فعلت النار في يديك، وهل كنَّست الريح بقايا عظامك؟!

تستنفر اللغة حواسها وتتحسّسُ يدها وقلبها، لتكتشف أن أرضها ما زالت تلد الياسمين، وتفرشه في كل الزوايا، تحت النوافذ وتحت جلد اللغة، كما يولد أطفال في بلادي، هذه المرة لن تأخذ الحيرة آباءهم في اختراع الاسم، لأنها ستستمر بمن ذهبت حيواتهم، ولأنها كما الغيوم باطنها مطر، سيقرأ رسالة الجذور ويبثها لمن يسيجون الأرض بالخراب. يقول الزعيم الصيني الراحل ماوتسي تونغ في أشعاره المطبوعة عام 1979: (تستطيع معانقة القمر في السماء التاسعة والبض على السلحفاة في أعماق البحار الخمسة وتعود وسط أهازيج النصر وضحكات المرج.. لا مستحيل في الكون لمن يجرؤ على صعود القمم).

ويقول بابلو نيرودا: (إذا جندت عصاباتك يا أمريكا لتنشري الدمار على هذه التخوم الآمنة، وتقودي جزار شيكاغو فيسيطر على الموسيقا والنظام الذي نحب، فسنخرج عندئذ من الصخور والهواء لنعضّنك بأسناننا). فهل تكتبنا اللغة في صحائف لن تمسها ظلمة، في يوميات الاستثناء والصحو والانتظار والصمت لنخرج إلى النور الباذخ، ونقول من جديد:

صباح الخير، لكل مجانين الأمل ونسّاكه وخازني شرره من كعب ريح لا يصنع الموت سوى أن يموت، ولا تصنع الحياة سوى حياتها.

هي صيرورة أخرى لطواف الشآم في الشجر الكثيف، وفي ظلاله أصوات ما زالت ترفع حجر الصمت عن زهرة تبوح: لن يمروا.

العدد 1188 - 25/02/2026