«حضارة القنوع»… أبشع مظاهر العولمة المتوحشة

تضج قلوب العقلاء بالألم عندما تحس بوجود شيء مشوّه في المجتمع: (فهذا المشوّه مثل كلب سقط في بركة مليئة بماء الورد، فأدى إلى تلوثها)! الشيخ سعدي الشيرازي، البستان، القرن الثالث عشر.

عند فجر عقد التسعينيات الفارط من القرن الماضي، مع تعاظم انتشار العولمة المتوحشة، تكشفت حضارة القنوع جلية من خلال الحقيقتين التاليتين:

1- بروز مأزق البشرية الراهن الذي تنسج وجوده قوى العولمة المتوحشة، ويأتي في مقدمها: انفصام شخصية المجتمع البشري،وانحسار قيم الإنسانية ومبادئها، وتفاقم الفساد في إدارة شؤون الناس، وتردّي رؤية مستقبل العالم الذي يحتوي وجودنا البشري والبيئي.

2- اطّراد شرخ مرآة البقاء البشري الذي تجسّد في انقسام المجتمع البشري إلى صنفين: أقلية عددية محظية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً تحولت إلى أكثرية من حيث النفوذ في المجتمعات البشرية، والرأسمالية منها خاصة، يمكن تسميتها بالأكثرية المحظية، وأكثرية عددية، تعيش مقتاً متعاظم القسوة في الفقر والعوز والبؤس والقهر، تحوّلت إلى أقلية من حيث اقتناعها بما يغشاها من ظلام الاستغلال والبطالة والحرمان والتخلف الحضاري، يمكن تسميتها بالأقلية القانعة. وفي كتاب جين تشيزنو الشهير وهو بعنوان: توقعات من أجل البقاء: Prospects for Survival يقول: (إن أولئك الذين يقومون بخدمة المحظوظين قد أذعنوا قانعين، عاجزين – ضمن مناخ الانطواء والتفكير بالسلامة الشخصية – عن إبداء أي مجابهة سياسية تعبّر عن خروج واضح لهم عن حال الخضوع الذي يغشى بقاءهم… وأتعجب من إغراق هؤلاء الناس – أي القائمين على خدمة المحظوظين – أنفسهم في الخذلان واللامبالاة وعدم الإحساس، ويبدو لي أن حياتهم السياسية تتفسّخ، ويبحث الفرد منهم عن مختبأ، ويتم إغواء المثقفين منهم من قبل مديري التقنيات الحديثة الذين يعمدون إلى إعادة تشكيل عالمنا، إن لم يسعوا إلى هدمه…).

لقد انتاب البشرية اعتلال رهيب، فقد غابت القيم والمفاهيم، وتزايدت درجة تعقيد العالم وغموضه، وأصبح من الصعب تفهّم المجتمع العالمي الجديد الآخذ في الظهور، كما لاتزال هناك مشكلات عدة بلا حل، ودون أن نحاول القيام بعملية تحليل عميق، دعونا نستعرض قائمة من الأعراض المتعددة التي – وإن اختلف كل منها عن الآخر من حيث طبيعته وآثاره – تشترك جميعاً في كونها أعراضاً عالمية النطاق، فهناك موجات العنف، خاصة في المدن الكبيرة، والإرهاب الدولي، والفكر التكفيري، ونشاطات عصابات المافيا على المستوى القومي التي تتحول بسرعة إلى شبكات دولية، وهناك أيضاً انتشار ظاهرة إدمان المخدرات وما يرتبط بها من جرائم، والإباحية الجنسية العدوانية، والانحرافات السلوكية التي تستغل بواسطة الصحافة وأجهزة الإعلام وأجهزة الدعاية والإعلان. إن كل هذه الظروف تعمل معاً من أجل تهيئة المناخ الذي يسمح على مستويات عدة بظهور بيئة جديدة يحظى في ظلها السلوك الاستثنائي المنحرف بتغطية إعلامية ضخمة ومتكررة إلى الحد الذي يدفع إلى النظر إلى هذا السلوك باعتباره هو السلوك العادي أو المألوف..

ومَن يتابع بشكل مستمر تبدّل الأحوال في حياة مجتمعنا العربي، تتكشّف له جلية أعراض مرض انفصام الشخصية من خلال حقيقة الفراغ الذاتي العربي الراهن، وكما يؤكد معظم الباحثين أنه يتحدد النظام في المجتمع وفقاً لتماسك أفراده. وحتى منتصف القرن العشرين، كان ضمان هذا النظام يعتمد على مشاعر الوطنية الفطرية والإحساس بالانتماء إلى الجماعة التي يعززها الانضباط الأخلاقي.وبسبب الدور الذي قامت به أجهزة الإعلام الإمبريالية وأدواتها المرتزقة، بمسمياتها المختلفة (جمعيات إنسانية،وخيرية، وحقوق إنسان وتعبير، وديمقراطية، وحرية، ومجالس تمثيل الشعب الموجودة في الخارج،والمصنعة في أقبية الاستخبارات الغربية لمنع فتح أذهان الأجيال الشابة على رؤية المستقبل، الذي أدى إلى خلق مشاعر اللامبالاة إن لم يكن مشاعر العداء، بين أبناء المجتمع الواحد، وإثارة الفوضى والشقاق والصراع والعنف، وثقافة التطرف والتكفير والتعصب، وما عزز ذلك هو عدم كفاءة الأحزاب السياسية والحكومات الوطنية في التصدي للمشكلات الحقيقية. وكانت محصلة ذلك نشأة فراغ تعرض في ظله نظام المجتمع وكذلك أهدافه إلى التآكل.. وبدأت تظهر أعمال فكرية وأدبية تعمل على تدمير مشاعر العرب الوطنية الفطرية، وداعية بكل بطر إلى الدوس على الإحساس بالانتماء إلى الجماعة التي يعززها الانضباط الأخلاقي.

وقد لاح في أفق وجودنا العربي معالم شبح حضارة القنوع، لا نجد عربياً مؤمناً بوطنه يتوانى عن التحرّك مع أمثاله باتجاه مجابهة تحديات هذه الحضارة المارقة الوافدة، التي أفلحت، في صنع فراغ عالمي منطو على اعتلال حاد في البشرية.

وانطلاقاً من القانون الفيزيائي الذي يقضي بأن أي فراغ لابد أن يملأ، فالطبيعة تمقت الفراغ. فإن خيبة حضارة الخنوع آتية بسبب نشوئها أصلاً على تحطيم الأصول الحضارية الإنسانية وتغييب الفكر الإنساني عن رؤية المستقبل.

وأجدني في هذا المقام، متفائلاً برؤية الأمة العربية تبتكر، في القريب العاجل، وسائل حضارية متقدمة لصنع وقفتها العصرية في وجه طغيان هذه الموجة، وتجاوز الغيبة الوطنية والأخلاقية والحضارية. لقد حان الوقت كي يخرج الشباب العربي عن صمتهم، ويعبروا عما يعتريهم من إرهاصات حضارة القنوع، وذلك قبل أن يفرح أعداء الحضارة العربية بأن الساحة قد خلت من الثوار على الباطل، وسادت ثقافة الخنوع وفرح الأعداء بها.

 إن على شبابنا العربي أن يوحّدوا صفوفهم وأن يعمّقوا مشاعر الوطنية في صراعهم من أجل الاستقلال، ضد العدو المشترك الذي تمثّل في القوى الاستعمارية، ويسحقوا العدوان بأشكاله المختلفة، وخاصة على سورية العروبة، وكما كانوا في الماضي سيبقى شباب سورية أشواكاً، على مدى بقاء السماوات والأرض، تخزُ بإبرها الحادة عيون كل طامع في تراب وطننا العربي العظيم وحضارتنا العريقة.

العدد 1195 - 23/04/2026