الفسيفساء السورية على قاعدة الحب الأعمى

يعد مبدأ تكامل الألوان من المبادئ الأساسية في الفن التشكيلي، ويقوم على قاعدة أن اللون يظهر جماله ويتجلى على أفضل وجه عندما يوضع  مع الألوان المختلفة عنه تماماً، بحيث تكمل الألوان بعضها بعضاً.. فاللون الأصفر يكمل اللون البنفسجي الناتج عن مزج اللونين الأحمر والأزرق، وكذلك الأمر بالنسبة لثنائيات أحمر- أخضر، وأزرق – برتقالي.

يتحدث المؤرخون والباحثون عن  المجتمع السوري بوصفه لوحة فسيفسائية فريدة بتعدد وتنوع ألوانها وتكاملها حسب القاعدة الآنفة الذكر. وتلك الفرادة لم تكن لتظهر إلا لعين الباحث المدرك لاختلاف أطياف الشعب السوري ومكوناته، من طوائف وأعراق.. وهو الاختلاف الذي يزيد اللوحة جمالاً ويبعد عنها سطوة اللون الواحد ورتابته.. وهذا التنوع يقود عادة إلى دراسة الظاهرة السورية، التي تتجلى بتعايش كل الأطياف بجو من التفاهم والتقبل المثالي للآخر. وهو ما يراد له أن يكون قاعدة لمجتمع تعددي علماني يكون فيه الانتماء إلى الوطن أعلى شأناً من كل انتماء آخر.

لكن ربما غاب عن بال الكثيرين أن التعايش في صورته المثلى إنما يتم عبر مراحل ثلاث: وهي إدراك وجود الاختلاف، ثم التعرف على الآخر وعلى أفكاره ومبادئه، وأخيراً احترام تلك العقائد وقبول صاحبها، وهو ما يؤكده غالبية الباحثين، وبالتحديد منظّرو العلمانية.. وفي الحالة السورية غالباً ما تُحرق المراحل ويجري الانتقال إلى المرحلة الثالثة مباشرة، وبالتالي عدم  الحاجة إلى التعرف الكافي على الآخر، سواء في العلاقات البينشخصية.. إذ الحديث عن الطائفة أو العرق يعد خروجاً على العرف السائد (الذي يحرّم مجرد سؤال الشخص عن انتمائه)، أو عبر وسائل الإعلام المرئي والمسموع، والتي يغيب عن برامجها كل حديث عن الاختلافات المذكورة آنفاً. مع العلم أن عرض مثل هذه البرامج يساعد على تقوية ارتباط الأقليات بوطنهم، وقبول الآخرين لهم، مع تأكيد أن التعايش على طريقة الحب الأعمى لا ينفي حاجة المواطن للتعرف على نظرائه من الملل المختلفة، سواء من ناحية التاريخ والعقيدة  أو فيما يتعلق بنظرة طائفة ما إلى بقية الطوائف.. فقد يؤدي غياب مثل هذه المعرفة إلى ربط كل طائفة بمجموعة من المعتقدات والخرافات التي لا تمت إليها بصلة، أو حتى محاولة التعرف على عقيدة ما من خلال تصرفات فردية لبعض الأشخاص وتأويلها تأويلاً خاطئاً، علماً أن تلك التصرفات قد يكون منشؤها طبقياً، أو قد تكون تلقائية أسيء تفسيرها بسبب الجهل، كما حدث في أمريكا اللاتينية في القرن السادس عشر، عندما أُحرق سبعة من الهنود الحمر، بعدما ضُبطوا وهم يدفنون تمثالَيْ المسيح والسيدة العذراء في التربة ليتبين بعد فوات الأوان أن طقوس الهنود الحمر تقضي بدفن آلهتهم في الأرض لزيادة غلتها من المحصول.

هنا لا بد من ذكر تجربة الباحث العراقي سليم مطر في كتابه (جدل الهويات) الصادر سنة ،2003 الذي دعا فيه إلى أخوة مبنية على (الصراحة وحب الحقيقة)، وخصص فصوله للحديث عن الأقليات في العراق. فقد كتب كل فصل بالاستعانة برجل معروف من الطائفة المذكورة، ما وفر قاعدة بيانات شبه كافية للتعرف على مكونات المجتمع العراقي، وهي تجربة نأمل أن تُعمّم في سورية، لكن عبر الوسائل الأكثر انتشاراً من برامج تلفزيونية وإذاعية، علّنا نضع قدماً في طريق العلمانية القائمة على معرفة الآخر معرفة صحيحة تقوّي البناء الاجتماعي وتزيده تماسكاً.

العدد 1188 - 25/02/2026