لصوص ظرفاء…

هؤلاء ليسوا روبن هود ولا الشعراء الصعاليك الذين كانوا يأخذون المال من الأغنياء ليمنحوه للفقراء والمحتاجين في ترجمة لنزوع الإنسان الفطري إلى العدالة والمساواة.

نماذج من الناس تدفعهم الحاجة وضيق ذات اليد إلى ارتكاب خطأ صغير في مواجهة جريمة كبرى (اللامساواة أو التفاوت الطبقي)، لذلك ففي الوقت نفسه الذي لا تستطيع فيه تبرير فعلتهم، لا تستطيع أيضاً إلا أن تتعاطف معهم كأناس مسحوقين عاجزين عن أي فعل فردي أمام آلة النهب الطبقي التي لا ترحم. وأمام عجزهم عن تحقيق أصغر الأحلام يندفعون إلى امتهان السرقة أو تجريبها على الأقل.. هذه حالات من لصوص ظرفاء، لا يضمرون شراً أو حقداً على أحد، حتى في ممارستهم للفعل المدان اجتماعياً وقانونياً يتمتعون بحس الفكاهة ويثيرون الضحك.

***

الولد المشاكس الذي كان يرى في طريق عودته من مدرسته كل يوم متسولاً ضريراً يضع أمامه صحناً مملوءاً بالنقود من مختلف الفئات، فيما لم يكن الولد في معظم الأيام يحمل ثمن قطعة بسكويت أو شيبس، قرر أن يفعلها ويخطف صحن النقود من أمام الضرير.

سيذهب أولاً إلى مطعم الحارة ويملأ معدته الصغيرة بالشاورما مع علبة كولا، ثم سيعرج على محل الحلويات ويتناول صحناً من الكنافة النابلسية على الواقف أمام المحل كما يفعل الزبن، ثم سيستأجر دراجة هوائية ويمر على بيوت أصدقائه الذين يفعلونها مراراً، فيما هو يتسول منهم (دورة) على الدراجة (البسكليت).

لم يكن الأمر بحاجة إلى تخطيط كبير، سوى أن التردد والشفقة على الرجل الضرير أخَّرا العملية قليلاً.. لكنه فعلها أخيراً.

تأخر عن زملائه حتى اختفوا في نهاية الشارع، اقترب من المتسول وهو يقوم بحركة من سيضع قطعة نقدية في الصحن، وبخفة طائر حمل الصحن وسلَّم ساقيه للريح. سمع صراخ الأعمى وأحس به يلحقه، لكنه أعمى لا بد أن يتعثر بعتبة أو عمود نور أو حجر متروك على طرف الطريق..كان يزيد من سرعته ولا يلتفت إلى الخلف، لكنه كان يحس بالرجل يلحقه، وبالهواء حوله يمتلئ برائحة الخوف.

في لفتة له لاحظ أن الرجل قريب منه إلى درجة أنه يلمس قميصه بيديه، وأنه يركض وعيونه مفتحة على الآخر ولا يتعثر بشيء. ارتعدت فرائص الولد، واستسلم للتعب والخوف. أمسكه الرجل الذي كان ضريراً، رماه على الأرض وبدأ يضربه ويشتمه بعد أن اخذ منه صحن النقود.

كبر الولد، ما زال الشارع قائما، ما زال متسول (ضرير) يملأ صحنه مراراً بقطع نقدية ثم يفرغها ليبدأ من جديد…كان كلما مرّ به شعر بالخوف، يعرف أن المتسول حفظ شكله، وهو يراقبه لينقض عليه هذه المرة لو حاول الاقتراب، مجرد الاقتراب من رصيفه.

***

في حي شعبي أوقف رجل دراجته النارية أمام بقالية ليشتري علبة سجائر، ترجَّل عنها وترك مفتاح الدراجة في مكانه على الدراجة كونها أمامه ولن يتعدى الأمر بضع ثوان، نبَّهه شاب يقف أمام البقالية قائلاً: لا تترك المفتاح فيها فربما تُسرَق.

كيف تُسرَق وأنا هنا أمامها؟ أجاب صاحب الدراجة.

قال الشاب: أنا أشرح لك كيف تسرق.

اتجه نحو الدراجة واعتلاها ثم شغلها، هكذا يفعل السارق  قال  ونظر إليه مبتسماً، والرجل ينتظر المزيد من الشرح، ثم لوح له بيديه وانطلق بسرعة صاروخية إلى الشارع الذي تتفرع عنه عشرات الأزقة الفرعية فيما صاحب الدراجة مذهول لا يصدق ما حصل معه.

***

أما أبو العز المختص بسرقة محافظ الناس وحقائب النساء فقد ضاق ذرعاً بعد أن ذاع صيته وأصبح الشرط يعرفونه. فكلما حدثت سرقة في منطقته قبض عليه سواء كان هو السارق أم لا، ويُضرب ويُذَل،  فقرر ترك بلاده والسفر إلى الولايات المتحدة.

 لجأ إلى أحد أصدقائه الذي زوَّر له (فيزا)، وسافر إلى أرض الأحلام، في اليوم الأول من وصوله جلس يراقب الناس ويخطط لبدء نشاطه. وبعد ثلاثة أيام  قام بأول عملية له، إذ سرق محفظة سيدة يبدو عليها الثراء، وعلى الفور قبض عليه رجل وسيم يرتدى بزة فاخرة، لعن حظه وسوء الطالع الذي رافقه إلى الولايات المتحدة.

أخذ يعتذر من الرجل قائلاً: إنه لم يكن يقصد السرقة وإنما الأمر مجرد مزحة.

لكن الرجل الأمريكي قال له: لا تخف أنا لص مثلك، وكنت أراقبك وأريدك أن تعمل معي.

ففرح بالعرض الجديد، وبدأ الأمريكي يدربه وكان يضع له المال ليختبره، ولكنه لم يخن صديقه الجديد. وبعد ستة أشهر من التدريب، وبعد أن وثق الأمريكي بزميله الحرامي قال له: اليوم سننفذ أول عملية.

أعطاه لباساً فاخراً وانطلقا لتنفيذ العملية، دخلا قصراً فخماً بمفتاح كان قد أحضره الأمريكي، ودخلا إلى الغرفة التي تحوي خزنة النقود، فتحها الأمريكي بدون كسر، وأخرج المال وجلس على الكرسي، وقال لزميله أحضر لنا ورق اللعب. اندهش أبو العز، وقال لنهرب الآن ونلعب في بيتنا، لكن الأمريكي نهره قائلاً: أنا القائد، افعل ما أقوله لك. وفعلاً أحضر ورق اللعب وبدأا يلعبان. ولكن الأمريكي قال له: شغِّل الموسيقا بصوت مرتفع، وأحضر لنا خمراً وثلاث كؤوس.

نفذ أبو العز أمر معلمه رغم أنه لم يكن مقتنعاً بما يفعله، وخائفاً من أن يلقى القبض عليهم متلبسين بالجرم المشهود.

لم يمض وقت طويل حتى حضر صاحب القصر شاهراً مسدسه، وقال ماذا تفعلان في بيتي يا لصوص؟ سأسلمكم للشرطة.

لكن الأمريكي لم يكترث، وقال لزميله أكمل اللعب ولا تأبه له.

 أكملا اللعب بينما صاحب القصر يتصل بالشرطة التي حضرت بسرعة.

قال لهم صاحب القصر: هؤلاء لصوص سرقوا الخزنة، وهذي هي الأموال التي سرقوها أمامهم.

فقال الأمريكي للشرطة:

هذا الرجل يكذب لقد دعانا إلى هنا لنعلب معه القمار، وقد لعبنا فعلاً وفزنا عليه، ولما خسر أمواله أشهر مسدسه وهددنا طالباً أن نعيد له المال أو يتصل بالشرطة على أننا لصوص…

نظر الضابط ووجد الكؤوس الثلاثة والمال موضوعاً على الطاولة، وصوت الموسيقا وهم يلعبون غير مكترثين.

أحس أن صاحب القصر يكذب، فقال له الضابط: يبدو أنك فعلاً خسرت اللعبة فأخبرتنا. وهكذا ستكتب تعهداً بعدم إضاعة وقتنا في بلاغات كاذبة.. وهمّ الضابط بمغادرة القصر لكن الأمريكي استوقفه، وقال له: ياسيدي إن خرجت وتركتنا فقد يقتلنا. فخرجوا بحماية الشرطة وأصبح المال لهم قانوناً دون أن يلاحقوا أو يتهموا.

العدد 1188 - 25/02/2026