خصخصة الرأي العام

64% من الفرنسيين و60% من الأمريكيين يعارضون التحرك العسكري ضد سورية، لهذه النسب أهمية كبيرة لا لمدلولاتها السياسية فقط بل لأنها تشرك شعبَيْ البلدين بالقرار السياسي المزمع اتخاذه، وتطرح تساؤلات حول الآلية التي جرت بها عملية الاستفتاء وحول الشركات والمؤسسات التي تنفذها.

لا يختلف اثنان على دور الرأي العام بتوجيه سياسات الدول التي يسود فيها النظام الديمقراطي، وعلى دوره بتصحيح مسارات معينة وتعديلها بما يتوافق مع إرادة الناخبين وتوقعاتهم. فالرأي العام هو البوصلة التي على كل مسؤول في السلطة الاسترشاد بها وعدم تجاهلها، خاصة إذا كان يرى أن الشعب هو غاية المنصب الذي يحتله، وليس مجرد وسيلة للجلوس على الكرسي. لكن هذه الفكرة رغم أنها قد تبدو بسيطة ومفهومة، إلا أن تطبيقها ليس بهذه البساطة، فهو يحتاج إلى مؤسسات خاصة تعمل على إجراء استطلاعات دورية للرأي تراعى فيها الطرق الأكاديمية في تحديد أهداف الاستطلاع، ومن ثم اختيار العينات وتحليل النتائج. وهي ظاهرة موجودة في غالبية الدول المتقدمة. وقد برزت على السطح مؤخراً مع توقف المسؤولين الأمريكيين والأوربيين طويلاً أمام الاستطلاعات التي تشير إلى معارضة الرأي العام لديهم للتدخل العسكري في سورية.

في الأسابيع الأخيرة وضعت صحيفة (الإندبندنت) على موقعها الإلكتروني استطلاعاً للرأي حول الضربة العسكرية المحتملة ضد سورية. لكن السوريين فوجئوا أنه لا يسمح لهم بالتصويت بهذا الاستفتاء. وقد فسر بعضهم ذلك على أنه جزء من المؤامرة التي تستهدف سورية وشعبها، لكن الواقع هو أن الصحيفة كانت تريد الحصول على نسبة الذين يؤيديون الضربة من غير السوريين، لأن السماح للسوريين بالتصويت، والذين هم إجمالاً ضد الضربة، سيؤثر سلباً على الهدف الحقيقي للتصويت الذي هو سبرٌ للرأي العام العالمي. لكن بالمقابل لا يوجد من يسأل السوريين عن آرائهم بأي قضية، وكل ما هو متاح حالياً هو استفتاءات على مواقع التواصل الاجتماعي، وهي إجمالاً منحازة ولا يمكن حصرها بالسوريين فقط. والأمر نفسه ينطبق على الاستطلاعات التي يشارك فيها السوريون على المواقع العالمية. على المؤسسة التي تضطلع بهذا الدور أن تكون بالدرجة الأولى مؤسسة خاصة وغير محسوبة على أي جهة، لكي تكون إحصائياتها ذات مصداقية بعيون الشعب والسياسيين على حد سواء. خاصة أن الأرقام غير الواقعية والمفبركة هي سهلة الكشف في بلد مثل سورية، حيث يتميز المجتمع بالحميمية والتقارب مما يجعل أي شخص قادراً نوعاً ما على معرفة توجه المجتمع عموماً، وما هي الآراء التي تحظى بإجماع، وما هي تلك المنبوذة. والانحياز لا يكون فقط بتزييف الأرقام أو إجراء استطلاعات وهمية، بل يكون أيضاً باختيار المواضيع، كأن تكون هذه المواضيع متلائمة مع خطاب سياسي ما، أو تتعلق بأطروحات معينة تخدم أشخاصاً دون غيرهم. لذا فإن أول صعوبة ستواجه هذه المؤسسة هي إثبات حياديتها ونزاهتها في بلد مستقطب استقطاباً كبيراً وغير معتاد على الحياد الإيجابي.

وهنا يطرح سؤال حول كيفية تمويل هذه المؤسسة، وهل هي ربحية أم لا؟ في الواقع، تكون نتائج الاستطلاعات التي تقوم بها المؤسسات مختصة متمتعة بحقوق الملكية الفكرية، فلا يسمح للصحف ولوسائل الإعلام باستخدامها دون الاتفاق مع المؤسسة التي تتنازل لهم عن حقوقها مقابل مبلغ معين. ومن جهة أخرى تقوم المؤسسة بإجراء استطلاعات معينة بناء على طلب شركات خاصة ترغب في معرفة رأي الناس بأدائها وبمنتجاتها، وهو ما يعطيها القدرة على التطوير الذاتي وإجراء تقييم مستمر، وبالتالي ستساهم بدفع عجلة الاقتصاد. هذه الاستطلاعات هي الرافد الثاني الذي يمد مؤسسة الاستطلاع بمواردها المالية. لا يوجد في العالم العربي كله مؤسسات من هذا النوع، وتغييب الرأي العام بهذه الطريقة يفقد المشاريع الديمقراطية الناشئة أداة مهمة تساعد على إشراك الشعب إشراكاً أوسع بالعملية السياسية وبعملية التطوير والتحديث، ويمنح المسؤولين مرجعية مهمة يبنون عليها خططهم وتمنعهم من الارتجال واتخاذ القرارات الاعتباطية.

العدد 1140 - 22/01/2025