مفهوم المواطنة… وتشوهاتها في ظل الأزمة السورية

هل أمّن البشر في العقد الثاني من الألفية الثالثة (الكرامة المتأصلة في النفوس) بحسب ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عن الأمم المتحدة في 10 كانون الأول عام 1948؟ وهل غدت الحرية والعدالة والسلام حقوقاً ثابتة لجميع البشر على قدم المساواة؟ وهل ودّع العالم الأعمال الهمجية وضمن احترام حقوق الأفراد ونظام العلاقات الدولية؟ أم أن العولمة المتوحشة وحساباتها الأنانية ومخططاتها الطائشة قد أدخلت الكوكب الأرضي في متاهة خطيرة؟

ومفهوم المواطنة مفهوم حديث بدأ تداوله بعد انتصار الثورة الفرنسية عام 1789 وتدشين مرحلة الانتقال الكبيرة من الإقطاعية الثيوقراطية البطريركية إلى الرأسمالية، ومن الحكم المطلق الذي يغدق على الملك وحاشيته من أسر النبلاء مزايا هائلة، ويورثهم إقطاعات وقصوراً ودخولاً وفيرة، بينما يعيش الحرفيون والفلاحون والخدم في الفاقة، إلى العقد الاجتماعي، الذي يؤمّن دولة مدنية تضمن توفير المساواة والعدالة والكرامة لمواطنيها جميعهم.

 وإذا كان هذا الهدف النبيل قد مر بتعرجات كثيرة وانتكاسات في القرنين السابقين لجهة حقوق النساء والأطفال والعبيد والأقليات الإثنية، وحقوق مواطني الدول المستعمرة أو المحتلة، ولكن المحطة الأهم في تثبيت هذا المفهوم، وتفصيل الحقول الأساسية للمواطن قد وردت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، قبل ستة وستين عاماً، المكون من ثلاثين مادة تضمنت الحقوق الأساسية للبشر جميعاً – رجالاً ونساءً وأطفالاً – وفي مقدمتها حق المساواة في الحياة، والحرية، والتفكير، والتعبير، والتقاضي، والتنقل، والعمل، والتعليم، والضمان الاجتماعي، والراحة، والتملك).

وقد مر مفهوم المواطنة في الدول الغنية المتقدمة بتحولات كثيرة في القرن العشرين قبل إقرار نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وبعده، وبرغم تثبيته في نصوص دساتير هذه الدول، فقد ظلت المساواة في الحصول على نصيب عادل للفرد من الثروة الوطنية بعيدة، وظلت حقوق المرأة والطفل منتقصة، كما أن حقوق الملونين والمهاجرين والأقليات والفئات الشعبية وعمال المناجم والعاملين على منصات الحفر النفطي العائمة، والعاطلين عن العمل الذين تتزايد نسبتهم باطراد منتقصة أيضاً.

فكيف يكون حال النظرة إلى المفهوم في البلدان النامية، ومنها بلادنا، التي لم تتخلص من بنية العلاقات البطريركية وشبه الإقطاعية، واتسم مستوى تنميتها بالتموج، كما أن عوائق كثيرة حالت دون توزيع الثروة بطريقة عادلة، وظلت نخب برجوازية نافذة، وكومبرادورية وتجارية وطفيلية خارج سلطة القانون. وتزايدت الهوة بين الأغنياء والفقراء، مما ضاعف حالة الاحتقان والاستياء، وأفسح في المجال لتدخلات خارجية ولمشاريع الهيمنة والاستقواء، وضعت خرائطها منذ عقود، وبدأت تتكشف منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي إثر انهيار الاتحاد السوفييتي ومنظومة الدول الاشتراكية.

وتزايد عدد العاطلين عن العمل في الدول النامية، والأزمات الاقتصادية الخانقة، التي خلقتها عمليات إعادة الهيكلة الاقتصادية، التي فرضها زحف العولمة الضارية ومؤسساتها المصرفية السيئة الصيت: صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وعقود إذعانها المذلة التي أثقلت اقتصادات البلدان الناشئة، وحولت ملايين البشر إلى عبيد، فانتشرت تجارة (الرقيق الأبيض) وبيع الأطفال، والاتجار بأعضائهم، وأدى ذلك كله إلى اختلال العلاقات الدولية، وإلى تهديد سيادة دول كثيرة أو تفكيكها بذرائع واهية.

 والمواطنة في البلدان النامية والمفقرة، تمنح ظاهرياً بموجب نص دستوري، وبطاقة هوية وجواز سفر، لكن الحقوق المستحقة للمواطنين والمواطنات لاتمنح آلياً ـ ويمكن تجاهلها أو تآكلها بقوة الشرائح النافذة، واختلال النظام العام والاستقرار، وكلفة الديون الباهظة، وعدم عدالة النظام الضريبي، فضلاً عن الاجتياحات والحروب الأهلية والتدخلات الفظة في الشؤون الداخلية للدول التي أعيدت شرعنتها من تحالفات لا تحترم ميثاق الأمم المتحدة ـ مثل حلف الناتو ـ وتهميش الأمم المتحدة التي فقدت كثيراً من هيبتها، وعجزت عن إصلاح هيكلها الذي طرح منذ العام ألفين، ولم ينجز من برنامجه خطوة واحدة.

وكانت هناك خطوات طموحة لتحقيق مكاسب في بلادنا سورية، لصالح ترسيخ مفهوم المواطنة خلال العقد الماضي، لكنها اصطدمت بإعاقات عديدة، من بينها عدم نضوج وعي مجتمعي تجاه هذا المفهوم وما يتصل به من بنية الدولة المدنية التعددية، وتخبط اقتصادي نتج عن فريق اقتصادي اعتمد نهج الاقتصاد الليبرالي، وتوترت وتهديدات واعتداءات أخذت طابع الحرب العدوانية والاحتلال، طالت منطقة الشرق الأوسط كلها، واكتوت سورية بنارها، وانفتح الباب واسعاً أمام (صندوق باندورا).

والمواطنة مشاركة ودور، وفرص متكافئة أمام مواطني الدولة، وتوزيع عادل للثروة الوطنية، وبنية الدولة (ذات أنماط الإنتاج القديمة) واختلال قواعد القانون الدولي ونمط الاقتصاد الحر فوق القومي العابر للحدود المحمي بقوى عسكرية وتقنية واستخباراتية هائلة تشكل كلها تهديداً لسيادة الدول النامية ووحدة أراضيها، وتدميراً منهجياً لاقتصادها، وعرقلة لإنضاج مفهوم المواطنة لدى سكانها، وتفتح الباب أمام أزمات خانقة وحروب عبثية داخلية وإقليمية.

ولم تكن سورية استثناء في تعرضها لأخطار أفضت بها إلى أزمة مركبة شديدة التعقيد، هددت عيش مواطنيها وأمنهم، وألحقت أضراراً بالغة بالنسيج المجتمعي المتناغم فيها، وعرقلت الانتقال التدرجي الطبيعي للمجتمع السوري إلى مرحلة جديدة تلبي فيها الحاجات الأساسية التي يكفلها الدستور للمواطنين، وعُطّلت الخطط التنموية الضرورية لتطوير قطاعات الإنتاج، وخلقت صراعات (أدارتها أطراف دولية ودول إقليمية)، ودفعت مجموعات إرهابية تكفيرية تحت الطلب لتنفيذ خططها، وسخرت وسائل إعلامية واستخبارات نافذة لخدمة حساباتها البعيدة ومشروعاتها المعلنة لإعادة تشكيل العالم والمنطقة بحسب مصالحها.

وأزمة مركبة بهذه التفاعلات والتجاذبات، وفي بلد يقع في قلب منطقة تتقاطع عندها المصالح والتناقضات وتتشابك الملفات (العربية والإقليمية) والمشكلات المزمنة، في عالم يعيش تحولات فرضتها مرحلة عليا من رأسمالية متوحشة، تجاهلت قواعد القانون الدولي، وخلقت فوضى معممة، وابتدعت ذرائع لتسويغ جرائمها وتجاوزاتها الفظة لهذه القواعد.

أزمة مركبة كهذه حولت مطالب الشعب السوري عن مسارها السياسي السلمي المشروع والمتضمنة رفض الهيمنة، وحماية وحدة الوطن وسيادته، وتحرير الجولان والأراضي العربية المحتلة، وتوسيع مفهومي المواطنة والمشاركة، بما يتيح فضاءات أوسع للحريات السياسية والإعلامية، ويوفر شراكة فعلية في إدارة شؤون الدولة، ويؤمن فرصاً متكافئة للعمل، وتوزيعاً عادلاً للثروة الوطنية.

وأزمة مركبة بهذا القدر من الانعطافات والتعرجات والأخطار والاستقطاب الحاد خلقت حالة من التشوش لدى النخب السياسية والفكرية والعلمية والإعلامية، ودفعت مثقفين كثيرين إلى الانكفاء والسلبية ومغادرة مواقعهم التنويرية، واستحضر عدد منهم رغبات غير واقعية، وصدق أوهاماً ضخّتها ـ وما زالت تضخّهاـ وسائل إعلام ومواقع إلكترونية، وجرى خلط لدى هؤلاء بين التحليل العلمي الموضوعي للوقائع (كما يقتضي البحث العلمي والعمل الإعلامي الرصينين) وبين التوقعات والاستنتاجات والرغبات الساذجة.

ويحضر في هذا السياق قول للعلامة اللبناني عبد الله العلايلي جاء فيه: (في الجماعة الإنسانية اليوم مفهومان: مفهوم يضعها موضع التدجين، ومفهوم يضعها موضع رغباتها الحية وأمانيها المتطورة، وهل بين أن تكون إنساناً سوياً، كما صنعتك يد الله، وبين أن تكون من سقط المتاع، كما يريدونك، محلّ للاختيار؟ أؤكد أن في المشكلة المطروحة غباوة، والغباوة ليست في صفوفنا نحن الشعوب!).

وأرى أن حالة من الانحدار فرضتها منذ عقدين ونيف إمبريالية مأزومة، ضُيّعت فيها فرص الحوار والدبلوماسية لحل الملفات الشائكة في منطقتنا وفي العالم، وشُرعن الغزو والاحتلال، والحروب المتعددة الأشكال، وافتُعلت أزمات احتيالات مصرفية، وشكلت هذه العوامل كلها في الأزمة السورية، إعاقات لكل فعل داخلي حواري، أو لكل جهد إقليمي ودولي، مؤسسي وحيادي، للسير بالحوار والحل السياسي للسوريين إلى هدف متفق عليه، دون وصاية أو تهديد، وهذه الإعاقات أثرت على نتائج مؤتمر جنيف 2 سلبياً، وأخرت التحضيرات لعقد مؤتمر حوار وطني تشارك فيه أطراف المعادلة السورية (سلطة ومعارضة سلمية)، وتؤمن له فرص إنجاح مهامه، يتجاوز السلبية التي لازمت كثيرين خلال سنوات الأزمة وقبلها، وأضافت الأزمة وتعقيداتها شكوكاً وهواجس وردود فعل انتقامية وعدمية وأوهاماً وانكسارات وشروخاً.

وألحظ حزمة من التشوهات نتجت عن الأزمة السورية، وانعكست سلباً على منظومة القيم التي يتميز بها السوريون، ومنها مشاهد الضحايا والدماء، والاشتباكات وأصوات القصف العشوائي والتدمير المنهجي، ولهذه المشاهد انعكاسات وأخطار على الأطفال، وعلى الكبار، وقد تترك آثاراً نفسية يصعب محوها، على حد تعبير هنري بوشو (1913-  2012).

وهناك الخرق المتعمد للقانون وظواهر التهريب والتلاعب بالأسعار، والاحتكار، والأنانية المفرطة، والتهرب من الواجب الوظيفي أو الدفاعي (خدمة العلم)، والانحطاط الثقافي والأخلاقي، وتدني مستوى الخدمات التعليمية والصحية، وتردي أوضاع النازحين واللاجئين في بلدان الجوار قرب المناطق الساخنة وعند الحدود.

ورأى كثيرون أن هذه التشوهات تحتاج إلى جهد جماعي من الدولة والقوى السياسية والاجتماعية والثقافية، كي يخف ثقلها وأخطارها، وأن الخروج من الأزمة يحتاج إلى دعم دفاعات الجيش ضد المجموعات الإرهابية التكفيرية، وفضح أشكال الدعم والتمويل غير القانوني لها، وتعميق ثقافة الحوار، وحسن إدارة الاختلاف في الآراء، وتنوير الرأي العام وثقائياً بخفايا الأزمة وتفاعلاتها المستجدة وأخطارها.

ورأى المختصون من علماء الاجتماع، والداعون لبناء الدولة المؤسسية المدنية، أن مفهومي الدولة المدنية الديمقراطية والمواطنة مترابطان، وبتحققهما تتضح الواجبات والحقوق نصاً وممارسة، وتغدو التعددية السياسية واقعاً ملموساً وضرورة موضوعية، وليست أمراً باعثاً على التوجس.

 

«اختلال قواعد النظام الدولي وضع مكتسبات العقود الخمسة السابقة موضع تهديد، والفصام بين التعهدات والأعمال في الخطاب السياسي العالمي دالّ على أن الأمر لم يعد يحتمل مزيداً من الانتظار». كوفي عنان الأمين العام السابق للأمم المتحدة

العدد 1194 - 15/04/2026