عذراً يا سيادة النائب.. هذه أسباب انتشار العشوائيات

حتماً، لم تنتشر العشوائيات في سورية، (نتيجة بعض الإرباكات التشريعية) كما يقول نائب رئيس مجلس الوزراء لشؤون الخدمات وزير الإدارة المحلية عمر غلاونجي، وقطعاً، لم يكن انتشارها عفو الخاطر، أو محض مصادفة. فهذا الرأي الحكومي جزء من جبل الجليد المغمور، وأقل بكثير من نصف الحقيقة التي يمكن أن تقال في مجال السكن العشوائي، هذا السرطان الذي تفشى في العمران السوري، مشوِّهاً المدن، قاتلاً  فنها المعماري، قاضياً على شكلها المعروف، مؤسساً لبناء أدق وصف بحقه هو المخالفات.

أهدرت سورية ثروتها المعمارية، والأثرية، نزولاً عند رغبات مسؤولين لا يحاسبهم أحد، أو أنهم ظنوا أنفسهم فوق القانون، فتحولت مدننا الرئيسية، إلى أشباه مدن، أو أنصاف مدن، لا ملامح لها، ودون هوية حقيقية، بل مجرد كتل صماء، وأبنية صامتة، ومخيفة، وبائسة، لا تعبر عن حضارة عمرها عشرات الآلاف من السنوات، ولا عن المستقبل القادم. إذ يختلط فيها، نموذج معماري غير فريد من نوعه، عنوانه المخالفة الصريحة للقانون، وسمته البارزة عدم الانسجام الهندسي. لم تكن الإرباكات التشريعية هي سبب كل ذلك، يا سيادة النائب، هي بكل بساطة، كانت مسبباً من بين عشرات المسببات الأخرى، التي أدت إلى نتائج كهذه، والممر الذي أنتج كل هذا التشوه العمراني، والتآكل المستمر لشكل مدننا الذي لايمكن تجاهل تاريخه إطلاقاً. فكل مدننا وقرانا مرتبطة شكلاً بتاريخ حقب معينة، وبدلاً من استثمار ذلك، هدمنا بقوة القرارات والأنظمة هذا التاريخ الذي يشكل عنواناً لجغرافيتنا، ولم نبنِ ما يناسبنا حاضراً، أو ما يتطلبه منا المستقبل.

 إن سؤالاً من قبيل كيف نمت العشوائيات؟ يبدو ساذجاً يا سيادة النائب، وأنت المتابع لملف السكن والإسكان، لأنك قادم من إدارة أهم مؤسسة حكومية تعنى بهذا الشأن، أي المؤسسة العامة للإسكان، ومن ثم وزيراً لهذا القطاع الحيوي. هل المخالفات التي التهمت الغوطة كانت نتيجة الإرباك التشريعي، أم نتيجة لعدم تطبيق القانون؟ نعترف أن بعض تشريعاتنا ذات الصلة، ليست كما يجب، وهي بحاجة إلى تعديل، لكن إصرار الحكومات المتعاقبة، والمحافظين جميعاً، ووزراء الإدارة المحلية السابقين، على عدم التوسع في المخططات التنظيمية، خلق البيئة المناسبة لانتشار العشوائيات، وهذا لم يكن في غفلة من التشريعات أو أعين الحكومات المتعاقبة ووزرائها ومسؤوليها، بل  بعلمهم ودرايتهم ومعرفتهم وتحت رعايتهم. أعطنا مسؤولاً واحداً، لم يخرق قانون البناء؟ ألا يملك كل مسؤولينينا منازل فخمة، وفللاً، ومزارع، بالقرب من هذه العشوائيات، وخذ الغوطة أنموذجاً؟ ألم ير هؤلاء بالعين المجردة كيف كانت تُشاد الأبنية بليلة وضحاها، ومن ثم تُجبر مؤسستا الكهرباء ومياه الشرب والصرف الصحي على تقديم الخدمات لهذه الأحياء المخالفة؟

لا تنقصنا التشريعات المتعلقة بالبناء المخالف، والعشوائيات جزء منه، إذ صدر قانون مخالفات البناء رقم 1 للعام ،2003 وتضمن عقوبات اعتبرت آنذاك صارمة بحق المخالفين، تراوحت بين الحبس (من 3 أشهر إلى 3 سنوات وصولاً للأشغال الشاقة المؤقتة) والغرامة (من 50 ألف ليرة إلى 500 ألف ليرة) لكل من يثبت اشتراكه بمخالفات البناء من مسؤولين ومالكين ومشرفين. ويومذاك تم تصوير كل أبنية سورية جوياً، للتفريق بين المخالفات قبل صدور هذا القانون وما بعده، لكن القانون لم يطبق، وصدر عقب خمس سنوات المرسوم التشريعي رقم 59 للعام 2008 القاضي بإزالة الأبنية المخالفة ومخالفات البناء كافة ومهما كان نوعها بالهدم، ولم تكن حصيلته مرضية، ما دفع إلى إصدار المرسوم التشريعي رقم 40 لعام 2012 المتضمن: إزالة الأبنية المخالفة بعد تاريخ صدور هذا المرسوم مهما كان نوعها وموقعها وصفة استثمارها أو استعمالها بالهدم، وترحل الأنقاض على نفقة كل من كانت المخالفة لمصلحته. والسؤال: لماذا لم تطبق هذه القوانين والتشريعات؟ ولماذا لم تتوجه آليات الهدم لتبدأ بإزالة مخالفات البناء التي تعود لمسؤولين كبار في قلب دمشق، لتكون مثل هذه الحادثة عبرة ومسطرة تقاس عليها الإجراءات الأخرى؟

بالمقابل ثمة إرباك تشريعي حقيقي، تصوروا أن دليل استخدام الأراضي الزراعية يصنف أراضي إحدى المحافظات بأنها كلها زراعية، أي لايسمح بالبناء فيها، محافظة كاملة هذا وضعها، فأين يذهب مواطنوها؟ هذا إرباك بلاشك، ووضع قانون أو تشريع من هذا القبيل سيخلق المخالفات، وينتج العشوائيات بامتياز. إذ وصل عدد مناطق السكن العشوائي إلى  157 منطقة في سورية، وفقا لوزير الإسكان والتنمية العمرانية حسين فرزات، بينما الخارطة الوطنية للسكن العشوائي تتألف من 167 منطقة سكن عشوائية تتوزع في عشر محافظات وعدد سكانها يتجاوز 3 ملايين مواطن.

ملف العشوائيات في سورية منتفخ، وكبير جداً، وله تشعبات هائلة، لكن ثمة حقيقة ساطعة كالشمس، مفادها: نحن من بنى العشوائيات، ياسيادة النائب، لا الإرباك التشريعي!

العدد 1188 - 25/02/2026