بلا ولا كلمة عامية!

لما كانت اللغة إحدى أهم وسائل التفاهم، فيما بين بني البشر، فقد تواضع مؤسسو أصولها وواضعو قواعدها، والمختصون والمهتمون، على أن الخطاب اللغوي الأرقى، هو ذاك الذي يؤدي وظيفته المنوطة به، ويصل إلى غايته المنشودة، بأقل ما يمكن من كلمات وجمل، مراعياً سلامة القواعد وجمال الأسلوب ويسر العبارة، لا سيما في لغتنا العربية المشهورة  ببلاغتها.

من المشاكل التي تواجه الأدباء والكتاب والعاملين على اللغة، ومنها العربية، وربما أكثر من سواها، التعامل مع (المحكية). فبعضهم يضمّنها، بكل سلاسة وليونة، في كتاباته، إذا ما اقتضى الأمر، واضعاً المحكي بين هلالين. فيستقبلها المتلقي في السياق بأريحية ودونما عثار أو تلبك.

بعض آخر، يتعامل مع التعابير المحكية، بأقواس وأجراس ومعترضات وحذر شديد، وبعض ثالث، يناصب المحكية العداء، معتبراً التهاون معها خطأ فادحاً، ومصاحبتها كفراً خالصاً.

من هؤلاء البعض، أقصد البعض الثالث، المدقق اللغوي في جريدة (النور)، الزميل عبد الله صباغ (أبو عمار).

صباح الاثنين 20/10/،2013 عندما رآني الصديق الدكتور عاطف البطرس، أضع مادتي المعنونة (عيدٌ لم يأتِ) على طاولة المدقق، قال لي:

ارفعها يا حسني.. أبو عمار لن يأتِ اليوم..

لقد كان في هيئة (البطرس) وطريقة كلامه ونبرة صوته ما يكفي لإبلاغي النبأ، الذي مسح للحظات كل ما في ذاكرتي، من أمكنة وأزمنة وأحداث، مبقياً منها ما جمعني بأبي عمار  فحسب.

لقد ربطتني بأبي عمار بداية، علاقة زمالة، كونه يعمل في الجريدة التي أكتب فيها، ما لبثت أن تطورت إلى صداقة لدودة:

صداقة، لأن كلينا ثابر على أن يصدقُ الآخر الرأي، بغضّ النظر عما إذا كان سيعجبه أم لا.

ولدودة، لأن آراءنا، فيما يتعلق بالمحكية (التي أحسّ وأعزّ) ومخالطتها الفصحى (التي أفتخر وأثمّن)، كانت متعارضة معظم الأحيان، غيرأن ذلك ما كان ليقلل من الاحترام الذي يكنه كل منا لصديقه، ولا من احترام رأيه وطريقته في التفكير والمعالجة.

فكثيراً ما كنت، إلى انتصاري لوجهة نظري في مثار اختلافنا، أفصح له عن إعجابي بذاكرته الشخصية والحزبية، وبصلابته وصموده في الدفاع عن خطّه السياسي ومبدئه وقناعاته، داخل السجن وخارجه. وتثميني مِكْنته في اللغة وضلوعه في هضم قواعدها، ما نفتقده في كثير من مدققي هذه الأيام.

بعد تلبّثٍ وسهوم أمام طاولة الفقيد، وما عليها من قواميس وكتب وأحلام أراها ستفتقده أيضاً، توجهت إلى طاولة الزميل أبي ربيع، حيث وضع إلى يمينه على الجدار، صورة، أخذت بمناسبة احتفال بذكرى انطلاقة (النور) أيار 2009. تضم الصورة رئيس الحزب الشيوعي السوري الموحد وأمينه الأول، مع طاقم العاملين في الجريدة.

تسمّرت أمام الصورة، أتملّى التقاسيم البسيطة العنيدة لوجه أبي عمار، الذي رأيته آخر مرة قبيل رحيله ببضعة أيام، عندما زارنا لأول مرة في مجلة (المعرفة) التي كان يحرص على قراءتها واقتنائها.

نقلت نظري وذكرياتي بين الموجودين في الصورة، وتوقفت عند صور من غادروا:

منهم منْ غادر بعد انتهاء مدة عمله..

منهم مَنْ غادر لأسباب ثانية..

ومنهم مَنْ غادر لانقضاء فترة إقامته في عالمنا، مثل فقيدنا في الإخلاص للضمير والحزب واللغة، عبد الله صباغ (أبا عمار).

غادرت مبنى الجريدة، أغالب دموعاً أبت إلا أن تطفر، وسؤالاً أبى إلا أن يطرح:

مَنْ تُرى التالي، الذي سنودّع؟!

العدد 1190 - 11/03/2026