الرهانات الخاسرة

مثل كل الشعوب، كانت ولا تزال لدينا رهانات، قديمة لا تتوارى، وراهنة قليلة الجدوى.

مشكلة رهاناتنا عدم تحققها واقعياً، بعضها لم يتجاوز الأماني والورق الذي كتبت عليه، وتبقى إنجازات بعضها جزئية. بعضها يولد ميتاً، وبعضها يرفض أهله إعلان موته الذي لا جدال فيه. إذا بدا على بعضها النجاح، يجهضه أنصاره، إما بغياب الأفق أو كلل العزيمة، وإما بالنزاعات والفساد. وصورة هذه الرهانات وما آلت إليه، تنعكس في آراء الناس وسلوكهم اليائس، حتى أصبح أغلبهم يميل إلى عدمية قاتلة تترجم بالقول: (فالج لا تعالج).

هل حقاً أصبحت مشاريع التقدم والخلاص عندنا في حالة موت سريري، ولا أمل بإحيائها؟ وهل لدينا مشاريع أو رهانات بديلة قد تنجح؟ وهل تتحمل أوضاعنا في البلاد العربية الدخول في تجارب فاشلة جديدة؟ وإذا لم يكن لدينا مشاريع ورهانات جديدة أو متجددة، فإلى أي مصير نتجه؟

غرقنا خلال عقود عديدة مضت في خضم أسئلة بدأت ولم تنته إلى أجوبة، لأن الإجابة تكون بتغير أوضاعنا، مثلما حصل في البلاد الأخرى، حيث عرف ناسها ماذا يريدون، وعملوا لتحقيقه ونجحوا، فلماذا ينجح الآخرون ونفشل؟! هنا تبرز طبيعة المشاريع والقوى العاملة على إنجازها. ويبدو أن الأمل في الإنجاز لم يكن معقوداً على القوى التي يجب أن تتحمل المسؤولية. دائماً هناك حلم بآخر، من خارج الواقع ربما، أو من خارج البيئة أو الحدود، ينجز ما نعجز عنه. دائماً هناك رهانات غير محسوبة بدقة، تُدخلنا عالم الفشل.

دخلنا عالم النهضة، ورهاننا على الثقافة، والثقافة فاعلة لكنها لا تغني عن الواقع. لم تتجاوز نهضتنا تلك المصفوفة من الأسماء اللامعة التي تبدأ برفاعة الطهطاوي الذي برز من خلال مشروع محمد علي باشا، أو خير الدين التونسي، تم تتتابع الأسماء اللامعة واحداً إثر آخر، لا يتجاوزهم الحديث عن النهضة، إلى أن نصل إلى أبرزهم، أمثال محمد عبده، قاسم أمين، الكواكبي، طه حسين، وربما إلى رشيد رضا أستاذ حسن البنا مؤسس الأخوان المسلمين.

هل يكفي أن يكون لدينا هذا الرعيل من الشخصيات الثقافية التي نعتز بها ليكون لدينا نهضة؟ نحن نعلم أن الأسماء اللامعة من علماء وفلاسفة الذين برزوا في عهود النهضة الأوربية، لم يكونوا سوى المؤشر والتعبير الفكري الثقافي أو مؤشر الجهود العلمية والعملية المبذولة، ما كان يجري في القاع الأوربي، حيث ينخرط أهل البلاد الأوربية في حركة عمل وإنجاز يتجاوز كل المعوقات في جميع حقول الحياة ومستوياتها، ما سماه غرامشي (سماد التاريخ). فهل سمّدنا تاريخنا؟!

لا نملك دراسات إحصائية لمدى تقدم العلوم في أوساطنا الشعبية، حتى في أبرز المواقع والبلدان التي نشير إلى أن النهضة نشأت فيها مثل: القاهرة والإسكندرية وتونس وبيروت وبغداد ودمشق وحلب وغيرها. وليس لدينا دليل على أن نسبة قليلة من الشعب تخلصت من الأمية في مجمل هذه البلاد التي لا تزال المراجع تشير إلى نسبة عالية للأمية فيها، حتى تلك التي بذلت جهوداً كبيرة مثل سورية، التي يشير كمال ديب إلى أن نسبة الأمية فيها حتى تخوم 2011 تقارب العشرين في المئة. فهل يكون مثقفوا النهضة الكبار وأسماؤها اللامعة، بدائل لكل الشعب الذي كان الرهان على خروجه من حالة التخلف، كي نقول إن لدينا نهضة فعلية؟ وأي نهضة هذه التي تبقي غالبية الشعب غارقاً في الجهل والتخلف؟!

لا مؤشر على أننا سبقنا أو ساوينا الشعوب الأخرى التي نهضت، ولا التي في طور النهوض حالياً في كل المجالات. لا نزال نستورد أبسط العلوم والمنتجات ولا مساهمة فاعلة لنا في هذه المجالات. لا نزال نتخبط في الأمور الاقتصادية، فلا زراعة تنقذنا من الجوع، ولا صناعة ننافس بها الآخرين ونستغني بها عنهم. والتجارة هي حاصل التطور في الأمرين السابقين.

في حياتنا الاجتماعية، لا تزال قبائلنا وعشائرنا وأقوامنا وطوائفنا، أي كل مكونات المجتمع الأهلي هي الفاعلة ومانعة تقدم المجتمعات المدنية مناط دخول الحداثة والمستقبل، ورافعة الدولة الفاعلة. لا يزال الشيخ الذي ناهضه الكواكبي وعلي عبد الرازق وطه حسين وغيرهم، وواجهوا مشروعه، يشدنا إلى واقع لا مخرج لنا من التخلف دون الخروج منه، أي الخروج إلى مواقع العلمانية في إدارة شؤون البلاد.

نتحدث دوماً عن نهضة لا دور للمجتمعات بكل فئاتها فيها، إذاً نهضة من تكون؟ هل تكون نهضة الواحد في الألف أو المليون؟ وأي نهضة هذه؟ إننا في إطار من العبثية لم نعرف كيف نخرج منه. إننا نفرح حين ندرس نتاج النهضويين الذين تضمهم المصفوفة التي أشرنا إليها من أعلام نعتز بهم، لكن ما قدموه يمكن تصنيفه في حالة تنوير، فعلت أو لم تفعل فعلها. ومع مساهمتها في التنوير، ليس دقيقاً أن نصف فعلها بأنه نهضة لم يشارك فيها الشعب جميعه، ونحن بعد قرنين على بدايتها لا نزال بعيدين عن النهوض كما حققته شعوب أخرى. فلا تزال الأمراض والجهل والحلول الغيبية التي تتدفق مع فتاوى التكفير، هي وغيرها الكثير مما يصنفنا في حقول التخلف والدونية، هي سمة مجتمعاتنا.

كل الرهانات كانت على تغيير هذا الواقع، فإذا بنا، في المفاصل الدقيقة مثلما في المشهد الكلي، نفاجأ بواقع التخلف راسخاً رسوخ الجبال، ولانزال نعيد إنتاجه، ما يعني أن رهاناتنا كانت خاسرة، ومن أكثرها خسراناً تكوين الوعي العقلاني، وهو أهمها وأرفعها شأناً، وهو لن يكون كذلك دون الاستناد إلى ما ينجزه المجتمع بكليته في جميع ميادين الحياة التي يرعاها.

كان رهان المشروع الإسلامي على الإحياء، إحياء الماضي، والإحياء يضمر الموت، الموت المسبق، ومامات لا يعود حياً. وإذا كان المقصود- وهو كذلك- أن الإسلام السياسي هو مناط التقدم، بقوته ومناهجه وأساليبه المحتكمة إلى النصوص كما يفهمها أصحابه، فإن ماضي هذا المشروع قد أسلمه إلى حاضر العجز، ليس الآن فقط، بل منذ مئات السنين. لقد باغت العصر المؤمنين وهم في سباتهم، دون أن يعرفوا التماس طريق للخروج من مآزقهم.

لو كان في المشروع السياسي الإسلامي قدرة على الإنقاذ، لما وقع في الفشل والضياع لمدة تزيد على ثمانية قرون، وهو الذي لم يكن له منافس خلالها، ما لم تكن منافسة قواه أو مكوناته لبعضها، وهي التي فشلت جميعاً، وأعاقت اندفاعه واستمراره بعد أن أثبت أن لا شيء لديه يقدمه مجدداً، ولو كان لديه ما به يصنع القوة، ما وقع في العجز والضعف. وهو الملوم الذي يجب أن تتم مساءلته عن إسلام الأمة إلى الضعف بعد القوة، وليس في الساحة غيره يمكن أن نلومه، إذ لا منافس. وفي حال كان له منافسون فإن انتصارهم عليه دليل عجزه وخوره وعدم قدرته على رعاية حضور الأمة وقوتها، بالتالي مسؤوليته عن الضعف الذي أورثه الأمة. فكيف نحكّم عاجزاً بإخراجنا من العجز؟!

المشروع السياسي والاجتماعي الإسلامي، شاركه في الفشل المشروع القومي الذي طرح نفسه بديلاً دون أن يجرؤ على الخروج من تعالقه مع المشروع الإسلامي، فبقي المشروعان في كثير من جوانبهما مشروعاً واحداً، خاصة حين يعتبر الإسلام روحاً جسده العروبة المسلحة بمقومات اللغة والتاريخ والعادات والإرادة وغيرها، مما لا يحدث تفارقاً بين هذه المقومات وصلتها بالإسلام، أو الغطاء الإسلامي لها، بحيث تبدو دونه مربكة، ولا تصح بذلك أن تكون مشروعاً منافساً للمشروع الإسلامي، ولا مشاريع حضارية أخرى قد يكون الإسلام شريكاً فيها.

إرادوية المشروع القومي التي صاغها، محكومة بأفق المنافسة مع المشروع الإسلامي في الميدان الواحد حيث العرب جزء من الإسلام الذي يطالب بوحدة إسلامية، ما يجعل الأمور مختلطة في عالم يتجاذبه المحوران، وإذا كانت العروبة تحاول التقارب من الإسلام، فالأخير يعلن العداء للمشروع القومي العربي الذي لا يجرؤ، وليس في بنيته ما يدفعه للفصام مع الإسلام، ما أبقاه أعرج عاجزاً عن الاستقلال.

تأكد ذلك عندما لم يحسم أمر انتمائه في الجانب الإنمائي الاجتماعي، هل هو مشروع ليبرالي بورجوازي، أو هو مشروع اشتراكي؟ وهذه جوانب تتنازعه فتجعله في حالة ارتباك، فهو لم يفارق المشروع الإسلامي، كما لم يحسم أمر إيجاد صيغة ثالثة خارج البرجوازية والاشتراكية. كما لم يحسم أمر اشتراكيته هل هي ماركسية علمية أم ديمقراطية، أو منتمية إلى إسلام أبي ذرّ والقرامطة؟ لقد بقي هجيناً.

لست أدري كيف يمكن أن يكون مثل هذا المشروع الذي بني على آمال عريضة، قادراً على الخروج من المأزق وهو في هذه الحالة من الإرباك؟ إضافة إلى تنازع تنظيماته وتنوعها وعدم وحدتها، واختلاف انتمائها إلى اليمين واليسار، وتناحر مكوناته الداخلية التي حالت إلى صراعات شتتت الجهود وفشلت في إقامة أي مشروع لوحدة عربية دائمة، والذي كان، لو صح أن يقوم، هو الرافعة الأساسية التي تجعل منه حقيقة واقعة، مهما كان مشروع الوحدة هذا ضيقاً في المساحة والمضمون، والذي لم تستطع أن تعبر عنه الجامعة العربية الكليلة، ماجعله مشروعاً بلا أفق مع بقاء حلم الوحدة حاضراً له مكانته في أحلام العرب الذين أسقط في يدهم نتيجة تكرار الفشل.

اليسار إسلامي تارة كما رسمه أحمد عباس صالح في ((اليمين واليسار في الإسلام))، اشتراكي تارة كما أوضحه مصطفى السباعي وغيره، وهو قومي عروبي كما ذهبت إلى ذلك الأحزاب القومية. لكن اليسار في مشروعه المعبر والمستقل في العصر الحديث، هو ذلك الذي استند إلى الماركسية ومن ثم الشيوعية، والمشروع الاشتراكي المفعم برائحة الخلاص لكادحي العالم، والذي أصبح ملهماً لكل القوى التي تريد الانخراط في مشروع واعد للجماعير الواسعة، لكن الخسران الأكبر هو خسران الأحلام.

لم يكن هذا المشروع منتجاً في البيئة العربية، كان مصنعاً عالمياً، ولكي يكون تصنيعه محكماً، يجب أن يتم في البيئة الملائمة، فنحن بحاجة إلى برجوازية وبروليتاريا كي ينجح، وهاتان الطبقتان يجب أن تكونا سابقتين يتولد اليسار الماركسي على صراعهما، فإذا كانتا غير موجودتين يختنق هذا اليسار في بيئة لا تناسبه. وهذه أمور لا يتم تركيبها في المخبر وإنجاز تصنيعها في المعمل، وليست منجزاً ثقافياً أو حلماً فقط. لقد تم افتراض وجودهما في مغالطة للواقع والتاريخ كما تتم عملية إنجاز التركيبة التي تعمل على إنجاز حلول الواقع المعاق، ولما أفاق الجميع على حقيقة أن تطور مجتمعاتنا لم يبلغ الحد الذي يصح ترتيب أمورها على المقاس المطلوب، بدا فشل المشروع دون أن يعلن عن ذلك، إذ أحياناً يكون الخجل الفكري مانعاً من إعلان الفشل الحياتي.

لقد ذهب بعض الدارسين إلى تحليل المجتمعات القديمة وتكويناتها القبلية العشائرية، وجماعاتها المهنية، وطوائفها الدينية، على أساس طبقي، فتم اصطناع الأبعاد الطبقية اصطناعاً مجحفاً بحق التكوينات التي لا تعي طبقيتها، كل ذلك لتركيب المفهوم اليساري الذي وعدت به الماركسية كتطور يأتي في ذروة نشاط المجتمعات التي ستؤول بالضرورة إلى الشيوعية.

لقد بدت مشاريعنا نظريات نستوعب خياراتها وضماناتها على الورق، وعجزنا عن قراءتها مشاريع واقعية، ما جعل بؤس رهاناتنا لا يحتاج إلى براهين جديدة والخيارات ليست متاحة بلا نهاية، نلمس عجز السابق فننقل إلى اللاحق إلى أن نلمس عجزه فنبحث عن غيره أيضاً.

المشروع الذي يكتب له النجاح، ويكون الرهان عليه في موضعه، هو الذي لا يحتاج من أجل إقراره إلى الحالمين من أصحاب الفكر، مهما كانوا مشغولين بهاجس التقدم، وسيتعثر عندما يكون حظ الخيال والثقافة فيه أكثر من حظ الواقع. المشروع الذي يجب اعتماده ويكون قادراً على الحياة وإيجاد المخارج، هو الذي تنتجه إرادة المجموع وأكثرية الشرائح الاجتماعية بإرادتها ولمصلحتها، بتبلور المشروع في مناخ الحرية دون وصاية على عقول الناس وإرادتها، ولن يكون ذلك بعيداً عن اليسار وما حمله من هموم تدبير شأن المجتمعات. لكنه بالتأكيد يسار جديد لا على هيئة أثبتت عجزها.

العدد 1194 - 15/04/2026