مسلسل الخداع الأمريكي وحلقته الأخيرة

عوّدتنا السياسة الأمريكية خلال تاريخها في منطقتنا كقوة استعمارية عظمى، أنها عندما تعلن عن هدف ما تكون وراءه أهداف غير معلنة! وعلى سبيل المثال، كانت اتفاقية أوسلو لتسوية القضية الفلسطينية غطاءً لإسرائيل لتقوم بالاستيلاء على الكثير من أراضي 1967 وزرعها بالمستوطنات الصهيونية، وعزل القدس الشرقية عن الضفة الغربية، وقطع التواصل الجغرافي بين مناطق وبلدات الضفة الغربية، فالمستوطنات أغلبها أنشئت بعد اتفاق أوسلو، ومع ذلك بقيت اتفاقية أوسلو بعد ربع قرن من عقدها، ولم تقم الدولة الفلسطينية القابلة للحياة كما أعلن الأمريكي سابقاً.

في العراق.. حجة وجود الأسلحة النووية أعطت أمريكا المبرر لاحتلال العراق عام 2003 وتبين فيما بعد أنها كانت كذبة أمريكية كبيرة، نتج عنها تفكيك الدولة العراقية وحلّ جيشها وتدمير بنيتها التحتية (تركوا فقط منشآت النفط). في ليبيا.. تحت ذريعة حماية الشعب الليبي، فكك التدخل الأمريكي والغربي الدولة الليبية، وحوّلها إلى كيانات متصارعة، وفَقَدَ الشعب الليبي الأمن والاستقرار وحق العيش في ظل دولة ومؤسسات موحدة.

مسلسل الخداع نفسه الآن في سورية، فبحجة الديمقراطية وعدم شرعية النظام في سورية، دعمت أمريكا وحلفاؤها كل من يرفع السلاح ضد الدولة السورية وجيشها، ودربتهم وموّلتهم ودعمتهم سياسياً وإعلامياً، وغذّت العنف بكل أشكاله وخاصةً أخطره وهو الشكل التكفيري، وعندما رأت تماسك الدولة السورية بشعبها وجيشها طرحت أخطر أوراقها (داعش)، وجمعت لها الألوف من شتى بقاع العالم ممن يحملون عقلاً مشوهاً ودوافع مرضية للقتل والذبح والتدمير، وتذرعت بمحاربة الإرهاب للعودة إلى المنطقة عسكرياً.

أمريكا تعتبر هؤلاء الجهاديين وصفة مجربة في أكثر من مكان في العالم لتدمير استقرار البلاد، والأمثلة كثيرة، فمن أفغانستان إلى الجزائر إلى العراق إلى ليبيا واليمن والصومال ومالي وأخيراً سورية.

أمريكا تستثمر سياسياً ومنذ عقود توسع دائرة الإرهاب، وهدفها تدمير المناطق المستهدفة وتفتيتها وإعادة تشكيلها من جديد وفق ما يخدم مصالحها ومصالح إسرائيل في نهب ثروات المنطقة وعرقلة ومحاصرة تطور ونمو روسيا والصين لمنعهما من التحول إلى أقطاب دولية.

أعلنت أمريكا الحرب ضد الإرهاب وحصرته بداعش، وأرسلت طائراتها لتدمير تجمعاته كما تدعي، ولكن لماذا داعش بشكل خاص؟ ذلك لأنه يلبي حاجة أمريكا للتدخل المباشر في المنطقة بعد أن فشل أعوانها في تحقيق أهدافها في تفكيك الدولة السورية وتدميرها كما فعلت مع غيرها، وذريعة لابتزاز الدول التي ينتشر فيه هذا التنظيم، فداعش تحمل مشروع دولة خلافة إسلامية لم تتحدد خريطتها بعد، فهو في العراق وسورية وأعلن عن وجود خلايا له في السعودية والمغرب ومصر واليمن والكويت والقائمة لم تكتمل بعد، أي أن الأمريكي يوسع دائرة العنف والدم من أجل زيادة تدخله العسكري المباشر وغير المباشر.

إن الأمريكي يلعب أخطر ألعابه وأوسعها في منطقة تتسم بأهميتها الاستراتيجية لكثير من الدول الكبرى المهمة في العالم والإقليم، وكعادة مخرج أي عمل سينمائي يوزع الأدوار ويطلب من المشاركين في اللعبة عدم الارتجال بعيداً عن النص. تتصرف أمريكا الآن وكأن خيوط اللعبة كلها في يدها تديرها كيفما شاءت، تُدخل وتُخرج، تدني وتبعد من تريد من دائرة الفعل والتأثير، لكن صمود سورية دولةً وجيشاً وشعباً، وتوسع الحلف الدولي الداعم لسورية إقليميا وعالمياً أدى إلى انقسام في صفوف حلفاء أمريكا، وخاصةً الدوليين، البعض رفض المشاركة في التحالف الذي شكّلته أمريكا لمحاربة داعش، كألمانيا وبريطانيا وتركيا، ثم قبلت بريطانيا نتيجة الضغوط عليها، والبعض أعلن عدم موافقته على خطة أوباما كما أعلنها في خطابه، ويبدو واضحأ أن سياسة أمريكا في المنطقة تواجِه إما تخوفاً أو رفضاً من بعض حلفائها من خوض المغامرة الأمريكية ومن الأدوار التي تكلفهم بها، فاللعبة خطرة ويمكن أن تهدد أمن كل المنطقة واستقرار دول بعينها.

إن سورية وحلفاءها الإقليميين والدوليين يمتلكون كل الإمكانات والإرادة السياسية لإسقاط المشروع الأمريكي وحلقته الجديدة الأخطر داعش، وسيكون انتصار سورية وحلفائها زلزالاً يرتد على صانعي الإرهاب وداعميه ممن باعوا مصالح أوطانهم وربطوا مصيرهم بمشاريع أمريكا، عندها ستضطر أمريكا لتغيير اللاعبين في خطتها، ولكن هل تستطيع؟ التطورات في المنطقة والعالم تدل على أن الأحداث لا تسير دائماً وفق الإرادة الأمريكية، وما يحدث في اليمن خير دليل على ذلك. لقد نشأ من خلال العدوان على سورية ومنذ أكثر من ثلاث سنوات وضع دولي وإقليمي جديد يحمل سمات تغيرات جذرية وانعطافات تاريخية، ولن تكون النتائج وفق الهوى الأمريكي، لقد انتهى الزمن الذي تنفذ فيه أمريكا ما تريد.

العدد 1194 - 15/04/2026