الهوية والعنف – ماذا حدث.. وما أسباب حدوثه.. إلى أين نحن ماضون؟ (1من2)
هل يمكن أن أكون دون أي تناقض موطناً سورياً وأتحدر من أصول يمنية ومن قبيلة تنوخ تحديداً، وشيوعياً، ونباتياً، وصائماً، وباحثاً، ومؤخراً، وعالماً في الآثار، ومُحباً للروايات، ومن مريدي فيلسوف المعرة، ومناضلاً من أجل جياع الأرض، وأحترم أهل الديانات الأخرى، ومؤيداً لقول فولتير (قد أختلف معك في الرأي، ولكني على استعداد لأدافع حتى الموت عن حقك في التعبير عن رأيك)، وطبيعياً في علاقتي مع الجنس الآخر، ومؤمناً ومدافعاً ومناصراً لحق المرأة في العدالة الاجتماعية، ومُحباً للروائي الفرنسي أنطوان دي سانت إكسوبري، وأكون من أولئك الناس الشاسعين الذين يمدون ظلالهم على آفاق شاسعة، وأكون إنساناً على وجه الدقة، وأكون مسؤولاً، وأن أعرف الخجل أمام بؤس لا يبدو أنه يتعلق بي، وأن أزهو بنصر كلّل هامات الرفاق، وأن أُحس وأنا أضع حجري أني أًعمّر العالم؟!
أستعير في هذه المحاججة أسلوب الكاتب الهندي أمارتيا ص،ن الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1998 لمساهمته في اقتصاديات الرفاهية وعمله على صعيد نظرية التنمية البشرية ووسائل محاربة الفقر والحرية السياسية. فهو يؤكد في كتابه (الهوية والعنف وهم المصير الحتمي) أن هذه النشاطات الجمعية التي ينتمي إليها أحدنا تكوّن شخصيته وترسم هويته. وفي الوقت نفسه ليس فيها ما يمكن أن يُعتبر الهوية الوحيدة لشخصيته. علينا أن نقنع أنفسنا أولاً، ثم الآخر الذي نتقاسم معه أسباب العيش، أن لنا انتماءات كثيرة منفصلة. وهذه الانتماءات يمكن أن تتفاعل بعضها مع بعض بطرق كثيرة مختلفة. وقد جاء في الأثر أن رجلاً سلَّم على أبي العيناء – من أهل القرن الرابع الهجري – وكان أعمى. فسأله: من الرجل؟ قال: من بني آدم. فقال أبو العيناء: مرحباً بك. والله ما كنتُ أظن هذا النسل إلا قد انقطع!
هل الانتماء إلى أبينا آدم في عصرنا الحديث طريق نجاة مأمون؟ الناس في هذا العالم يمكن أن يُصنّفوا وفقاً لانتماءات متعددة . وبالتالي فإن إنسانيتنا المشتركة تتعرض لتحديات وحشية عندما توحَّد التقسيمات المتنوعة في مجتمعنا في نظام تصنيف واحد مهيمن مزعوم يعتمد على الدين مثلاً، أو الطائفة، أو الثقافة، أو الأمة، أو الحضارة. ففي حياتنا اليومية العادية نرى أنفسنا أعضاء لمجموعات متنوعة ننتمي إليها جميعاً. وحقيقة أن يكون المرء علمانياً لا يتعارض مع كونه مؤمناً يُصلي في الكنيسة كل أحد. وذلك لا يتعارض مع كونه ينشط في حزب شيوعي ولا يمنعه من أن يكون صديقاً لعدد كبير من المسلمين يدخل بيوتهم ويأكل من خبزهم. أي شخص هو عضو في جماعات مختلفة متعددة – ومن دون أن يكون ذلك تناقضاً بأي شكل من الأشكال- وكل من هذه الهويات الجمعية التي ينتمي إليها جميعاً هذا الفرد تعطيه هوية اجتماعية تجعله شخصاً مهماً بالفعل.
(2 )
إن العالم المقسم حسب الهوية أكثر إثارة للشقاق والنزاع بكثير من التصنيفات الجمعية والمتنوعة التي تشكل العالم الذي نعيش فيه. إن الأمل في أن يسود الانسجام عالمنا المعاصر يكمن إلى حد كبير في فهم أوضح لتعددية الهوية الإنسانية فوفي تقدير الحقيقة أن البشر يستطيعون أن يصلوا إلى بعضهم وأن يعملوا ضد فصل حاد بينهم على أساس خط واحد متصلب من التقسيم الذي لا يمكن عبوره. لنأخذ على سبيل المثال أهل الصي،ن تجدهم يعتنقون إلى جانب الأديان الرئيسية في تاريخ الصين، وإلى جانب التاوية المحلية، هناك البوذية والإسلام والمسيحية التي دخلت الصين من خارجها، مع أن الكونفوشيوسية احتلت مكانة حاكمة وسميت بالدين الكونفوشيوسي. فإنها ليست ديناً حقيقياً. الصين تختلف عن بعض الدول في موقفها تجاه الأديان، ففي الغرب المسيحي والعالم الإسلامي كان وما زال تقسيم المذاهب الدينية صارما، إذ لا يمكن للشخص الواحد أن يؤمن بدينين معا، بل لا يمكنه أن يشترك في طائفتين لدين واحد. في الصين،يمكن أن تتعايش الأديان ويستفيد بعضها من بعض. فقد شهدت البوذية والتاوية تطوراً كبيراً في الصين وسميتا مع الكونفوشيوسية الأديان الثلاثة الكبرى. وأخذ كل منها بعض أفكار الدينين الآخري،ن فأصبح الجمع بين الأديان الثلاثة اتجاهاً تاريخياً ضرورياً. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى يمكن أن تتعايش هذه الأديان في قلب الشخص الواحد. فيمكن أن يكون المرء بوذياً وتاوياً معاً ويكون تابعاً للكونفوشيوسية أيضاً. ونادراً ما نجد في مكان آخر في العالم مثل هذه الروح المتسامحة في استيعاب الأديان.
(3)
نحن في اختياراتنا الحياتية- شئنا ذلك أم أبينا- ننتمي إلى العديد من الجماعات المختلفة بطريقة أو بأخرى، وكل من هذه الجماعات يمكن أن تمنح الشخص هوية يحتمل أنها مهمة بالفعل. ويؤكد المفكر الهندي أمارتيا صن أن البحث عن أسلوب فريد لتصنيف الناس من أجل عمل تحليل اجتماعي مسألة ليست بجديدة. حتى التجميع السياسي للناس الذين يقسمهم إلى عمال وغير عمال، والمستخدم كثيراً في المؤلفات الاشتراكية الكلاسيكية به هذا الملمح البسيط. وربما يستحق التذكير في هذا السياق أن كارل ماركس نفسه أخضع هذا التعريف الفريد لنقد صارم في كتابه (نقد برنامج غوتهْ) الذي كتبه بعد ربع قرن على صدور بيان الحزب الشيوعي وتضمن نقداً لبرنامج حزب العمال الألماني المقترح. احتج فيه، ضمن احتجاجات أخرى، ضد رؤية العمال فقط كعمال وتجاهل ما يتميزون به من تنوع ككائنات بشرية… (الأفراد غير المتعادلين – ولن يكونوا أفراداً مختلفين ما لم يكونوا غير متعادلين- لا يمكن أن تقاس كفاءتهم بمعيار عادل إلا بقدر ما يتم النظر إليهم بشكل عادل. ومع ذلك يُنظر إليهم فقط من جانب واحد محدد. وفي قضيتنا الحاضرة مثلاً يُنظر إليهم كعمال ولا يُرى فيهم أي شيء أكثر من ذل،ك فكل شيء أخر يتم إغفاله..). يعتمد كارل ماركس في فكرته هنا على وهم التفرد ولا يؤكده. أو على افتراض مسبق بأن أي شخص لا يُرى كفرد له انتماءات عديدة أو كشخص ينتمي إلى جماعات متعددة مختلف،ة ولكن باعتباره فقط عضواً في جماعة واحدة معينة هي التي تعطيه هوية مهمة فريدة. والاعتقاد الضمني في القوة المسيطرة لتصنيف مفرد ليس فقط أمراً فجاً كنوع من الوصف والتكه،ن لكنه أيضاً مواجهة وتحد هائلان في الشكل والمضمون. فالنظرة التقسيمية المتفردة لسكان العالم لا تتعارض فقط مع الاعتقاد القديم العهد بأن (الناس متماثلون في كل مكان في العالم)، لكنه أيضاً يتعارض مع الفهم المهم والواعي بأننا مختلفون بطرق كثيرة متنوعة واختلافاتنا لا تتمثل في بُعد واحد فقط.