بعد مئة عام ما سبب الحرب العالمية الأولى؟
في 28 حزيران قبل قرن من الآن، اغتال غافريلو برنسيب الوطني البالغ من العمر 19 عاماً من بلد البوسنة والهرسك المقهور، الأرشيدون فرديناند من النمسا. كان فرديناند رمز الحكم الاستبدادي للإمبراطورية الهابسبورغية المتفسخة.
استغل الحكام العسكريون في فيينا، عاصمة الإمبراطورية، الاغتيال في سراييغو كذريعة لإعلان الحرب على صربيا. وأطلق هذا القرار في الأساس ماأصبح الحرب العالمية الأولى. أزهقت هذه المجزرة حياة عشرين مليون شخص من عمال ومزارعي أوربا.
حلت الآن الذكرى المئوية لبدء الحرب وأخذ الإعلام الممول من الشركات يشوه الحدث. والهدف هو إبعاد اللوم عن الطبقات الرأسمالية الحاكمة المسؤولة عن الكارثة، خصوصاً في البلدان الإمبريالية التي جعل نظامها القمعي والاستغلالي الحرب محتومة.
ويواصل الإعلام الرئيسي في العديد من البلدان الإمبريالية الأوربية هذا المسعى، وكذلك دوائرها الأكاديمية في مؤتمرات تاريخية، بالطريقة نفسها التي يكذبون بها حول الحروب الإمبريالية اليوم، من العراق إلى ليبيا إلى أوكرانيا. ونشرت صحيفة نيويورك تايمز سلسلة مقالات عن (الحرب الكبرى) كجزء من هذا المسعى. وأبرزت المقالات العديدة المنشورة قبل وبعد 28 حزيران دور برينسيب في إطلاق الحرب.
ما من أحد يؤيد تقرير المصير للشعوب المظلومة سيعيب على برينسيب أنه أراد توجيه ضربة إلى عضو الأسرة الملكية الحاكمة للإمبراطورية الظالمة. ولكن من السخرية ذكر هذا العمل الفردي كسبب أساسي لحريق عالمي.
كانت الحرب قيد التحضير منذ مطلع القرن العشرين. كانت قد اندلعت بعض الحروب الإقليمية في البلقان. وشهدت الحرب الروسية ـ اليابانية هزيمة الإمبراطورية القيصرية شبه الإقطاعية أمام القوة الرأسمالية الصاعدة لليابان، وتصارعت الإمبرياليات الألمانية والفرنسية والبريطانية على بناء السكة الحديدية في بغداد.
الجانبان ظالمان
كانت الدول الرئيسة في جانبي الحرب بلداناً ظالمة كلها، لم يكن هناك (جانب جيد).
حكمت بريطانيا إمبراطورية كبيرة ضمت أستراليا وكندا وجنوب آسيا وبعض جزر الكاريبي والكثير من أفريقيا. وكانت حروبها معارك أحادية الجانب قوات مدججة بالأسلحة الثقيلة تواجه وتقتل سكاناً أصليين مسلحين بالحراب.
كانت مساحة الإمبراطورية الفرنسية نصف مساحة بريطانيا، ولكنها امتدت من الهند الصينية إلى الكاريبي وضمت أصقاعاً واسعة في غرب إفريقيا وشمالها. وحتى بلجيكا (الصغيرة) احتلت الكونغو الواسعة واعتصرت آخر قطرة دم من الكونغوليين.
كان ذلك الجانب الذي ضم (الديمقراطيات). وكان حليفه القيصر الروسي الذي حكم 12 منطقة زمنية ومئات الشعوب والقوميات المختلطة بقبضة من حديد.
كانت ألمانيا، الأكثر تشرباً بالروح الحربية، وإمبراطورية النمسا المجر والإمبراطورية العثمانية مماثلة في وحشيتها تجاه مستعمراتها، ولكن الأراضي التي سيطرت عليها كانت أصغر مساحة.
لم تدخل واشنطن الحرب العالمية الأولى حتى عام ،1917 وكانت قد انضمت إلى المنافسة الإمبريالية بزخم باحتلال مستعمرات إسبانيا في الكاريبي والفيليبيين.وسّع القادمون الجدد إلى المعارك الأوربية، الرأسماليون الأمريكيون صناعتهم من خلال بيع الأسلحة للحلف البريطاني الفرنسي الروسي الذي انضمت واشنطن إليه أخيراً. وكان حكام الولايات المتحدة، القوة الإمبريالية الغرة في ذلك الوقت، متوحشين بالنسبة للسكان الأصليين في القارة وبالنسبة للأمريكيين الأفارقة والبلدان التي غزوها حديثاً وكانت تحكم سابقاً من قبل إسبانيا.
في عام 1881 اجتمع العديد من القوى في برلين، فيما يمكن فقط وصفه بالغطرسة المفرطة لتقسيم إفريقيا دون مشاورة الأفارقة. وكان الهدف تقسيم القارة كلها إلى مستعمرات لشتى القوى من خلال التفاوض، في حين يتجنبون حرباً فيما بينهم على الغنيمة، فقد خشوا أن تعطي معارك كهذه بين الإمبريالية الأفارقة ثغرة للقتال من أجل حريتهم ضد جميع المستعمرين.
حدث ذلك فيما بعد،عندما ضعفت القوى الاستعمارية الأوربية بعد حربين عالميتين في عام 1945 تمكن الأفارقة من إخراجهم من معظم القارة، وساعد في ذلك وجود الاتحاد السوفييتي كقوة مقابلة للإمبريالية.
أشار القائد الثوري الروسي فلاديمير لينين في كتابه (الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية) في عام 1915 إلى أن هذه القوى قسمت العالم كله في عام 1900 وتناسبت كمية النهب الاستعماري التي يحصل عليها كل منها مع قوتها الصناعية والمالية والعسكرية في ذلك الوقت.
المشكلة هي أن قواها النسبية كانت تتغير باستمرار.
نمت صناعة ألمانيا بوتيرة أسرع بكثير من مثيلتها في بريطانيا وفرنسا بعد عام1900 وكذلك قوتها العسكرية. ولكن التوسع الاقتصادي الألماني كان مقيداً بالسيطـــرة البريطانيـــة والفرنسيـــة على الأراضي والموارد والأسواق.عليهما أن تعطيا شيئاً
كيف تستطيع القوى الإمبريالية الصاعدة إعادة توزيع المستعمرات لصالحها؟ بالحرب فقط.لم يكن الوطني الصربي ـ البوسني من سبّب الحرب، بل النظام الإمبريالي.