أين ذهبت الأم التي تُربي؟!

أكّد العديد من الفلاسفة الدّور المهم الّذي تلعبه الأمّ في المجتمع، ودورها الفعّال في تنشئة جيل مسؤول يعرف حقوقه ويقوم بواجباته، ولكن على الرّغم من التّضحيات الكبرى الّتي تقدمها، وعطائها الكبير، نجد خللاً واضحاً في التّنشئة، فما هو السبب يا ترى؟!! هل لأنّها تُضحي بشكلٍّ مبالغ فيه، أم أنها تُعطي الأهمية للاهتمام بالأعمال المنزلية من تنظيف وطبخ، على حساب الحوار مع أولادها؟ أم يعود السبب لما توارثناه من أجدادنا من عبارات وجمل نتفوه بها أمام الأطفال دون إدراك للأثر السلبي الّذي تتركه في نفوسهم؟!

في الحقيقة لقد كان في السّنوات الأولى من القرن الماضي لدى غالبية الأمّهات قيم متماثلة – على الأقل علناً- وكان هناك مفهوم مشترك للصواب والخطأ، أمّا اليوم فقد باتت غالبية الأمّهات وحتّى الآباء يعمدون إلى الكلام المبطن واللّف والدّوران في التّربية وتوجيه السّلوك؛ جميع الآباء دون استثناء يطالبون أولادهم بأن يكونوا صادقين وأن يخبروا آباءهم بالحقيقة، ولكنّهم لا يترددون في الكذب بإسراف أمامهم مثل: إن لم تسمع الكلام سيخطفك البعبع، وإذا لم تحصل على عشرة في جميع المواد لن أشتري لك هدية العيد، لست سوى أناني، أنت غير نافع، لولاك لكانت حياتي أفضل، لقد رفضت العديد من الوظائف المثيرة لكي أقوم بتربيتك، عندما كنت في مثل عمرك كنت متفوقاً في كلّ شيء وكان الجميع يحبّني، إلخ…  إنّ التقاط الطّفل لمثل هذه الرّسائل يولِّدُ لديه شعوراً بالذّنب، ويترك آثاراً بليغة في نفسيته تؤثر على سلوكه مستقبلاً وخاصّةً عندما يُصبح في سن الرّشد.

* من المهمات المقدسة الّتي على كلّ أمّ أن تتعلّمها وتتمثل بها: أن تخصص وقتاً لطفلها تصغي إليه، ومن خلال إنصاتها العميق تفتح معه حواراً مفتوحاً توجه به سلوكه، وبذلك لن تضطر للجوء إلى استخدام الطّرق المتحجرة والقاسية في التّربية، فالعبارات الّتي يتفوه بها الأمّ والأب يومياً أمام الطفل تصبح  مع الوقت كالجرثومة الّتي تنخر قدرات الطّفل وتعمل على إضعافها.

 

ما هي العبارات الخاطئة الّتي

يجب أن يبتعد كلّ أمّ وأب

عن استخدامها أمام طفلهم؟!!

1. الولد الطّفيلي:

من العبارات الّتي يستخدمها الوالدين وينشأ عنها شخصية طفيلية:

في عمر الثّلاث سنوات: (أنا متعلقة جداً بهذا الطّفل إنّه لطيف جداً ثُمّ إنّه مطيع).

في عمر 7 سنوات: (ضعْ وشاحك وإلا أتيتني مصاباً بالزّكام).

في عمر الثّامنة عشرة: (استمتعْ بوقتك يا حبيبي، خذ وقتك ولكن لا تتأخر في العودة إلى البيت كي أتمكن من النّوم).

في الحادية والثلاثين، يحتج الوالد عندما يرى ولده جالساً في غرفته وحيداً، فيقول: (لِمَ يبقى ابننا قابعاً في غرفته وحده، لقد تجاوز الحادية والثلاثين من عمره أتعرفين معنى ذلك، أنا في مثل سنّه….).

الأهل الّذين يذيبون شخصية ابنهم في شخصيتهم، يتسببون في تكوين شخصية طفيلية، عندما يصبح في سن الرّشد، فتكون طريقة تفكير الابن وتصرفاته نتيجة الحماية الّتي تُحيطه بها أُمّه والفخر الّذي يشعر به والداه لنجاحه في الدّراسة أو في الرّياضة، فيبقى ملتصقاً بمنزل الوالدين ويتلاعب بمشاعرهما، ويصبح شعورهما بالذّنب ملعبه المفضل، لقد قاما بتربية جوهرة نادرة وتعلّقا بها تعلّقاً شديداً، فكيف يمكنهما التّفكير بالانفصال عنها؟ وبالتالي نجد أنّ الطّفل الطّفيلي يتشبث بهذا الحبّ لوالدين يعيشان طفولتهما الدّائمة من خلاله، عندها يتحولان إلى دميتين يلعبان دور الأمّ والأب اللّطيفين الحاضرين دائماً لتلبية رغبات ولد يتلاعب بهما بلطف ويحظى بحبّهما دون سواه، ومع الأيّام سيتعلّم هذا الولد أن يتظاهر بالطّاعة، وبالحبّ، وبالسّعادة لوجوده مع أمّه وأبيه. وهذا النّوع من الأطفال سيكون مستقبلاً مشروع طاغية. فطفلكم ليس مُلكاً لكم بل هو ابن الحياة، لذلك من مسؤولية كلّ أمّ وأب أن يعدوا طفلهم لكي يكون مديراً ناجحاً وطبيباً مميزاً ونجاراً نزيهاً وخبازاً صادقاً وعامل تنظيف شريفاً.. إلخ.

2. المقارنة بين الوالدين والطّفل:

وهذه المقارنة شائعة كثيراً في مجتمعنا، فالعبارة الكلاسكية الّتي يرددها كلّ أمّ وأب يومياً على مسامع طفلهما (عندما كنت في مثل سنك) تكشف عن أنانية عنيدة، وتعبّر عن شخص يلعب بذكريات الآخرين فيقفز فوقها ويستبدل بها ذكرياته الخاصّة، وهنا يكون الوالدان قد قطعا حبل الاتصال والحوار مع طفلهما، لأنّهما يسعيان إلى إبراز نفسيهما وتبرير حالة الألم الّتي يشعران بها لأنّهما أخفقا في تحقيق ما كانا يرغبان فيه؛ هذا من جهة، ومن جهة أخرى هذه المقارنة تُضعف ثقة الطّفل بنفسه وتولِّدُ لديه شعوراً بعدم الكفاءة، فعندما يغرس الأهل في ذهن طفلهما هذه الآلية (إنّه أفضل مني) تُصبح مستقبلاً الوقود المحرك لعقدة الدّونية عند الولد. وتزرع بداخله أنّه شخص خاسر دائماً،  فإذا أردتم لطفلكم أن يحقق ذاته وأن يشعر بالرّاحة مع نفسه، عليكم الابتعاد عن الإفراط بالمقارنة بينه وبينكم، فالأمّ والأب هما مرجعيته المطلقة، لا تخضعوه لما أخضعكم والداكم إليه.

3. الحبّ المشروط:

تُقدّم غالبية الأمّهات لأطفالهم يومياُ حبّاً مشروطاً يبدأ بكلمة (لو) أو (أحبّك لو…) هذا النّوع من الحبّ هو حبّ فاتر لأنّه مشروط. ينصح الخبراء التّربيون بأن تختار الأمّ كلماتها بدقة ووضوح مثل: (أعلم أنّ باستطاعتك النّجاح، أنا أثق بك، أريدك أن تحقق أكثر مما حققته أنا، أريدك أن تستمع وتقدم كلّ ما لديك في مهنة تشبهك، أحبّ أن تكون سعيداً في العمل الّذي تقوم به).

فعندما تُربي الأمّ طفلها لكي يكون ناجحاً لأنّه اختار المجال الّذي يريده وليس لأنّها فرضت عليه اختيار مساره ستكون بذلك قد ساهمت ببناء مجتمع سليم، لأنّها قدمت له شخصاً يحبّ مهنته أو دراسته ومستعداً لبذل كلّ ما في وسعه لتحقيق أفضل ما يمكنه.

4.الإيمان بالسّحر والشّعوذة:

كثيراً ما تردّد الأمّ على مسمع من طفلها (أصابت طفلي عين لذلك هو كذا…) (لقد سكبت القهوة على الأرض سيحدث كذا … ليس لي حظ …) الخ… إنّ السّحر يملك سلطة على أذهان العامّة هي أعلى وأقوى من الواقع اليومي العادي، ومن الضروري أن  تدرك الأمّ الّتي تؤمن بالغيبيات أنّ السّحر يكذب عليها وهو أشبه بالرهان أو المخدرات، هو  بحاجة فقط إلى خطوة أولى حتّى يجد الإنسان نفسه قد خسر كلّ شيء في النّهاية، إنّ هذا النّوع من الأمّهات تنظر إلى نفسها وعائلتها بأنّهم أشخاص قد ضربتهم لعنة ما. ينصح الخبراء هؤلاء الأمّهات بالابتعاد عن هذه النّمطية من التّفكير، فاللّعنة تطرق دائماً باب الّذين يعتقدون بأنّ السّحر تعويذة، وعليها أن تتذكّر أنّ طفلها هو نعمة من الله سبحانه وتعالى عليها، وأن تؤمن بقدرته تعالى على حماية طفلها ورعايته، أمّا مسؤوليتها كأمّ فهي إعداده ليكون مواطناً صالح الضّمير.

* هناك العديد من العبارات الّتي تتفوه بها الأمّ يومياً يكون لها أثر سلبي على طفلها، يظهر بوضوح في سن الرّشد ويتجلّى من خلال تعامله مع رفاقه ومن خلال أدائه لوظيفته، والسّبب في ذلك يعود إلى أننا لا نتعلّم في إطار تربيتنا أن نصغي إلى ما نقوله، وهنا يكمن ضعفنا، إنّ العبارات   الّتي نستخدمها ليست مجرّد أدوات نُعبّر بها، بل تحمل انفعالاتنا وتنقلها، ويمكن لهذه الانفعالات الّتي تنقلها أن تكون إيجابية تارةً وسلبيةً تارة أخرى، مشجعة أو مُذلّة، محفّزة أو مثبطة للهمّة، تعتمد صورتك كأمّ  بشكلٍّ وثيق على هذه الانفعالات، وبالتّالي على نوعية الكلمات الّتي تختارينها في الحديث مع طفلك، ومهمتك كأمّ لا تقتصر على العطاء دائماً لأنّك بذلك تقومين بتنشئة طفل أناني لا يفكر إلاّ بنفسه، بل من الضّروري أن تُعلّمي طفلك أهمية البذل والعطاء.

كما أنّ مسؤولية التّربية هي مسؤولية مشتركة بين الأم والأب يلعب كل منهما دوراً مختلفاً عن الآخر، فهما شركاء في هذه الرّسالة المقدسة، لذلك من الخطأ إلقاء اللّوم دائماً على الأمّ عند حدوث أيّ خلل داخل الأسرة.

ومن الضّروري أن يدرك كلّ أم وأب أنّ تربية الطّفل هي مهمتهما وحدهما، أمّا الأقارب من جدّ وجدّة وعم وعمّة وخال وخالة فهم مساعدون فقط، ولا يحقّ لهم التّدخل في هذه المهمة، لأنّ الطّفل بحاجة إلى أمّه وأبوه فقط، فمن الممكن أن يقوم موقف بسيط على هدم البناء الإيجابي الّذي تعمل كلّ أمّ عليه، ويترك آثاراً لا يمكن محوها لسنين عديدة، ويمنع الطّفل مستقبلاً من أن يلعب دوراً إيجابياً في مجتمعه.

وصدق حافظ إبراهيم عندما قال:

الأمّ رَوْضٌ إنْ تَعهدهُ الحَيَا

بالرّيّ أوْرَقَ أيَّما إيراقِ

العدد 1188 - 25/02/2026