ثقافة الحرائق
نشرت في (النور) والصحف المحلية مقالات عدة عن (تعدد الثقافات من مختلف التسميات). ويستمر تدمير هذه الثقافة، ويستعيد الظلاميون ثقافة الحرائق من أسلافهم المغول وحكام العصور البائدة، ويبشرون بثقافات أكثر سوداوية. ولم ينتهِ مسلسل الحرائق للبشر والكتب والمكتبات في التاريخ المعاصر،على الرغم من ثورة الاتصالات والتطور المعرفي والصناعي في العالم.
ويتناقل الناس كل يوم، خاصة الكتّاب، أخبار حرق مكتباتهم والتدفئة على كتبهم. وحزنت كثيراً وتألمت أكثر بعد رؤيتي الأديب والصديق والرفيق العزيز محمد خالد رمضان (أبو عبده) بعد نجاته من مجازر عذرا العمالية ووصوله إلى دمشق سالماً. وأبو عبده يملك أكثر من مكتبة. ففي الزبداني هدّمت القذائف منزله وحرقت مكتبته.. وكذلك في عذرا العمالية يملك مكتبة ضخمة من أمّهات الكتب الأدبية والتراثية والفكرية، ومنذ ستة عقود ما يزال يضيف إليها رفوفاً جديدة، حتى عانقت الكتب سقف الغرفة، ويقدر ثمنها بملايين الليرات..
قال صديقي: دخل إلى المنزل رجل تتدلى ذقنه حتى صرَّته، يحمل سيفاً ويرتدي ثوباً قصيراً ويلف رأسه بكوفية أفغانية.. وعندما تسمّرت عيناه بالمكتبة سألني: هل تكتب عن الدين؟ ثم تركني وخرج.. ولم يسألني عن انتمائي السياسي!
إن العودة إلى الزمن الماضي البعيد والعصر الحديث، وقراءة تاريخ حرق الكتب والمكتبات وما يجري الآن من ثقافة مشابهة ومواكبة للماضي، يؤكد أن الفكر التكفيري – الظلامي ما يزال يحفر في أعماق المجتمعات العربية والإسلامية . وأكدت عديد الدراسات أن عشرة ملايين كتاب في (الطب والفلسفة والفقه والأدب واللغة..) حرقت بدءاً من القرن الثامن الميلادي حتى يومنا هذا. ومن بين المكتبات الخاصة التي تمَّ حرقها على أيدي بعض الحكام العرب، ثلاث مكتبات احتوت كل منها على أكثر من عشرة آلاف كتاب، وهي: (مكتبة ابن حزم الأندلسي، ومكتبة أبو نصير سابور وزير بهاء الدولة البويهي، ومكتبة عبد السلام بن عبد القادر البغدادي).
ودمَّر المغول مكتبة بيت الحكمة في بغداد التي كانت تضم 300 ألف كتاب. كما دمَّرت 36 مكتبة تضمّ مئات الآلاف من الكتب.. وألقيت جميعها في نهر دجلة.
وتعرَّضت مكتبة قرطبة التي تضم 400 ألف كتاب للحرق والتخريب والدمار بعد وفاة الحكم الثاني. وخسر العرب نحو مليون كتاب في الأندلس.
وفي عام 1499م، أمر رئيس أساقفة غرناطة بحرق ما يمكن حرقه من الكتب العربية. وعندما انتزع العثمانيون مصر من يد المماليك، قاموا بسلب ونهب وتدمير وحرق جميع المكتبات. وقد نهبت مكتبة السلطان حسن، وأحرقت مكتبة جامع الأمير شيخو عن بكرة أبيها. وفي المقابل لهذه السياسة الاستعمارية الإجرامية، عندما خرجت الحملة الفرنسية من مصر عام 1801 م، تمَّ نقل العديد من المخطوطات إلى فرنسا، وكذلك اتبعوا السياسة نفسها وقاموا بحرق الكتب والمكتبات في الجزائر.
إن ما يجري الآن في سورية وما حصل في العراق بعد عام ،2003 من تدمير وحرق الكتب الدينية والتراثية والفلسفية والفكرية، وسرقة الآثار والأيقونات و تدمير تماثيل الشعراء والمفكرين وتخريب الأماكن الدينية، يحمل دلالة واضحة لا تحتاج إلى تفسير، بأن هجمة من الطغاة الظلاميين المتوحشين تستهدف تراثنا وأدبنا وحضارتنا وفولكلورنا.
اليوم أصبحنا بحاجة ملحة إلى إقامة تحالفات واسعة من القوى الوطنية والتقدمية والعلمانية ومن المثقفين، من مختلف مكوّنات المجتمع السوري، لمواجهة الفكر الظلامي وهمجية الوهابيين والعثمانيين الجدد والتكفيريين.