الجفاف كارثة إنسانية اقتصادية تُضاف إلى كوارث السوريين
تفرض الظروف الطارئة على أيّ إنسان أو مجتمع تعاملاً مغايراً للسائد في الحياة، وذلك وفق ما تقتضيه تلك الظروف التي تستوجب إيجاد أساليب ووسائل مختلفة إلى حدٍّ ما عمّا اعتياد عليه في الحالات الطبيعية.
فنحن السوريين نعيش منذ أربع سنوات ظروفاً استثنائية بكل المقاييس والاتجاهات، يُضاف إليها هذا العام الجفاف الخطير الذي أنشب أنيابه في الأرض والزرع والضرع. هذه ظروف جرفت بطريقها حياتنا الطبيعية التي كنّا نعيشها ونمارسها بأشكال وأنماط مختلفة تتناسب واحتياجاتنا ورغباتنا.
غير أن اللافت للانتباه هنا، وجود البعض منّا الذي ما زال يمارس حياته بشكلها السابق سواء على المستوى الشخصي أو العام، وسواء على المستوى المادي أو المعنوي بلا أدنى اعتبار لكل ما جرى ويجري، وما سيكون لاحقاً. وهذا يُشعرنا بوجود مشكلة حقيقية لدى أولئك تتجلى وبكل بساطة بعدم الإحساس بالمسؤولية بشكل عام، وتجاه ما يجري بشكل خاص، وعدم الشعور بالتعاطف الإنساني والاجتماعي مع المحيط المشتعل موتاً وخراباً من جهة أخرى.
فالآثار الكارثية التي خلّفتها وما زالت تُخلّفها الأزمة في سورية على مختلف المستويات طالت الجميع دون استثناء، أثقلها هذا العام الجفاف الذي حطّ رحاله في بلادنا على أوسع مستوى، إن كان على صعيد الزراعة أو في مخزون المياه الجوفية كالينابيع، والسطحية كالأنهار والبحيرات والسدود، مما يُنذر بكارثة بيئية واقتصادية واجتماعية فظيعة. يقول خبراء برنامج الأغذية العالمي إن كميات الأمطار المتساقطة في سورية منذ أيلول هي دون المعدلات الطبيعية، وتشكل أقل من نصف المتوسط السنوي على المدى البعيد.
وهذا الكلام له مدلولاته البعيدة على الحياة الإنسانية وأنشطتها واحتياجاتها كافة. فعلى مستوى الزراعة مثلاً، واضح للعيان الوضع الكارثي لمحصول القمح الذي جفّ قبل أوانه بسبب انحسار الأمطار في الأوقات الضرورية لري تلك المحاصيل، مما جعله علفاً للماشية بدلاً على أن يكون محصولاً استراتيجياً يُلبي حاجة البلاد في ظروف وعقوبات استثنائية، وقد حذّر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة من (شبح الجفاف) في سورية، إذ من المتوقع أن يبلغ إنتاج القمح أدنى مستوياته التاريخية وبذلك (يعرض حياة الملايين للخطر). وتعرب الأمم المتحدة عن قلقها لأن (المحافظات الأكثر تأثراً بالجفاف تضم أكثر من نصف إنتاج القمح السوري).
فقبل ثلاثة أعوام كان الحديث عن الزراعة في سورية يقترن بأرقام تشير إلى أهمية هذا القطاع الذي يسهم بنحو 20% من إجمالي الدخل الوطني، ويعمل فيه نحو مليون عامل من أصل 8,4 ملايين هو العدد الإجمالي للأيدي العاملة. ولكن الوضع تغير خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وبدأت الأرقام، التي كانت تعكس وفرة في الإنتاج الزراعي، تهبط بسبب موجة الجفاف التي ضربت معظم المناطق، لدرجة جعلت العديد من المسئولين المعنيين بالشأن الزراعي يقرعون ناقوس الخطر، ويحذرون من إمكانية تحوّل سورية إلى بلد مستورد للغذاء، بعد أن استطاعت خلال السنوات الأخيرة تحقيق الاكتفاء الذاتي في معظم المحاصيل الرئيسية كالحبوب، والخضار، والفواكه، والزيتون، والقطن.
وبسبب اجتماع عوامل الحرب والجفاف في سورية توقع خبراء أن ينخفض إنتاج القمح إلى الثلث مقارنة عما كان عليه قبل الحرب، وحسب ما قدمه الخبراء الزراعيون فإن محصول القمح لهذا العام قد يتراوح بين مليون و1.7 مليون طن في أفضل التقديرات، بينما كانت سورية تنتج قبل الحرب ما يقارب 3.5 ملايين طن من القمح وكان ذلك يكفي لتلبية الطلب المحلي.
وإذا ما أمعنّا التفكير والنظر في كل هذا، نجد أننا في وضع غذائي مأساوي على مستوى رغيف الخبز الذي يتطلب من الجميع الحذر والحرص. ولكن الواقع يشي بوضع مختلف عمّا هو متوقع، إذ يرى الباحث الاقتصادي عيسى سامي المهنا، في دراسة علمية تفصيلية استندت إلى (إحصاءات وأرقام رسمية)، أن سوء إدارة صناعة الخبز، والهدر والفساد الناجم عن هذه الصناعة تستنزف الاقتصاد الوطني بـ 2.94 مليار دولار عام 2011 بينما بلغ هذا النزيف خلال السنوات العشر الماضية نحو 29.4 مليار دولار، ما يعني أن سورية تقدم كامل ناتجها المحلي الإجمالي في السنة الحادية عشرة لنزيف الخبز.
وتشير الدراسة إلى أن ضبط الهدر في رغيف الخبز يمكن أن يعيد توازن العلاقة بين الأجور والأرباح على مستوى الاقتصاد، إذا ما أخذنا بالحسبان أن حجم الهدر هو 114.72 مليار ليرة سورية سنوياً، وأن حصة رواتب المتقاعدين في ميزانية 2013 هو 50 مليار ل.س، إضافة إلى إمكانية تأمين فرص تشغيل لخمسة أضعاف ما هو وارد في ميزانية 2013 كما أن ضبط الهدر وتحقيق الوفر (بحلول تقترحها الدراسة) من شأنهما ترميم العلاقة بين اقتصاد الظل واقتصاد الضوء.
وتلاحظ الدراسة أن كل ساعة تأخير بهذه الإجراءات الاقتصادية (الحلول المقترحة) الملحة تكلف الاقتصاد الوطني 7 ملايين دولار، وتعويضها زمنياً مكلف جداً، وقد بدأنا نتلمسه بسعر ربطة الخبز في السوق السوداء يعادل 75 ل.س ولتر المازوت بـ 90 ل.س، (وبالتالي فإن الكلفة الحقيقية لحاجة الخبز الكلية عند (140 كغ خبز/فرد/سنة) بعد حذف الهدر وتحقيق الوفر هي 69.28 مليار ل.س، دون المساس بسعر 15 ل.س لربطة الخبز وزن 1450غ.
أما على مستوى باقي المحاصيل فهي ليست أوفر حظاً، وهو ما سيعمل على ارتفاع أسعار الخضار والفواكه وباقي المنتجات الزراعية، والزراعية- الصناعية إلى مستويات قياسية ستجعل أعداد الجياع في البلاد إلى ازدياد، يُضاف إلى هذا انخفاض قيمة الرواتب والأجور لمستويات دنيا كفيلة ربما بارتفاع أعداد المتسولين في الشوارع، كما تشمل التداعيات التي قد تنجم عن انخفاض إنتاج الغذاء: سوء التغذية، وارتفاع أسعار الغذاء، والهجرة من الريف، وزيادة معدل التسرب من المدارس، وزيادة الضغط على سوق الوظائف، إذ يسعى المزارعون إلى الحصول على أعمال أخرى بديلة، وهذا ما سيضع المجتمع بكل شرائحه أمام مشكلات خطيرة يصعب تداركها على المدى القريب.
إن المسؤولية هنا تقع على الجميع حكومة ومواطنين، وتتطلب محاولة جادة وحقيقية لردم الهوّة ما بين الواقع المأساوي القائم والاحتياجات الفعلية للناس، والابتعاد قدر الإمكان عن الهدر المعتاد على الصعيدين العام والخاص.
أما على مستوى المياه، فقد أكد المدير العام لمؤسسة مياه الشرب في دمشق وريفها أن الهطل حسب ما سجلته المحطات المناخية على حوض الفيجة للعام المطري 2013- 2014 ليس جيداً، قياساً إلى الهطول في العام الماضي خلال هذه الفترة من السنة، مشيراً إلى أن كميات الهطل في مدينة دمشق بلغت 94 مم حتى تاريخ 30 كانون الأول 2013 وأن كميات نقص الهطل حتى الآن عن الهطل الوسطي حتى هذا التاريخ بلغت كميته 45.93 مم، علماً بأن الهطل الوسطي السنوي على حوض الفيجة خلال 57 سنة يبلغ 515.42 مم. وبسبب الأزمة الراهنة فقد وصلت نسبة الهدر في مياه الشرب، بحسب ما نقلت صحيفة تشرين السورية إلى 57%.
أمام هذا الواقع المرير، نحن لا محالة مقبلون على أزمات كارثية تتمثل في العطش وانتشار العديد من الأمراض والأوبئة، إضافة إلى الهجرات التي ترافق الجفاف، وما يتبعها من آثار اجتماعية واقتصادية ومعاشية سيئة على اعتبار أن المياه هي الحياة بكل أبعادها، فإذا ما نضبت هذه المياه نضبت الحياة والصحة والاستقرار. وهذا بالتالي يتطلب من الحكومة إجراءات مدروسة تكفل التخفيف ما أمكن من الهدر، وكذلك من الآثار المترتبة على هذه الكوارث، أقلّها التوجه من خلال وسائل الإعلام للقيام بحملات توعية من أجل المحافظة على ما تبقى لنا من مخزون مائي وغذائي، لاسيما في ظل ظروف الحرب القائمة، كما يتطلب من المواطنين زيادة الوعي بحجم تلك المأساة والتعامل معها بحكمة وأثرة بعيداً عن سلوكيات متخلفة مفعمة بالأنا، وذلك باتباع سياسات ترشيد الاستهلاك والتقنين الذاتي في كل مناحي الحياة حفاظاً على وجودنا الإنساني.