في بيتنا إنترنت!

لم يكن في سورية (نت) حينذاك، ولم يخطر حتى بخيال (المتواطن) العادي أن يتمتع بهذه النعمة، المتواطن الذي كان ذهنه ما يزال مشغولاً في الثمانينيات بطوابير السمنة والزيت والرز والشاي، ويعتبر ما حصل لاحقاً: تأمين هذه المواد وشبيهاتها في السوق، هو الرفاه بعينه.. فأفضل طريقة لتجعل مواطنك، أو القن الذي تملكه،  يتبعك، هي تجويعه، حسب عرف  أغوات الشرق والغرب.. عندئذ ستصبح أي لقمة خبز ترميها له أعطية إلهية تنقذه من الجوع.. وتستحق إقامة المهرجانات والاحتفالات والدبكة، بل و(النخّ) أيضاً.

ما لنا ولهذه الأحاديث.. نحن في سيرة الإنترنت.. هذه الثورة الحقيقية، ربيع العقل الإنساني.. ربما آخر إنجاز ملأ الدنيا وشغل الناس، بعد غزو الفضاء..

كان الموبايل، وهو شقيق الإنترنت زمنياً وإحدى وسائله أيضاً، حلماً لا نشاهده سوى في الأفلام والمسلسلات، بل كان الحصول على خط هاتف أرضي يقتضي وساطات ودفع رشاً، وأحياناً قد يعجز وزير عن تأمين خط لك..

كُنَّا نشاهد أشقاءنا اللبنانيين يتبخترون وهم يحملون (السوليلير) ويبرطمون فيه، ونتساءل: كيف يمكن أن يسمعه الطرف الآخر ولا توجد سماعة أمام فمه؟!  كنا نحسدهم: كيف يكون عندهم هذا الاختراع المدهش ونحن لم نتعرف عليه بعد، رغم أننا شعب واحد في بلدين؟

ثم حين جاءهم (النت) بقينا أيضاً بعيدين حتى الألفية الثالثة، بعد أن زاد انتشاره وأصبح من هبَّ ودبّ يملك (إيميلاً) و(مسنجر) وموقعاً أحياناً.. هنا دخل النت حياتنا.. وكان ثورة متأخرة..

ثورة (غصباً عن اللي يرضى واللي ما بيرضى) على قول الفنان عمر حجو، في مسلسله الرمضاني الأخير وهو يجادل دريد لحام.

أصبحنا نقرأ أخبار بلدنا في المواقع الغريبة البعيدة، كما كان آباؤنا وأجدادنا يتابعونها على إذاعتي ومونتي كارلو) فيما كانو يكتفون بمتابعة (حكم العدالة) وما (يطلبه المستمعون) على إذاعة الوطن.

صدقوني أن المسؤولين من أرفع المناصب (في عراق صدام حسين مثلاً) كانوا وما زالوا يبحثون، ولو في السر، عن الخبر السريع الأقرب إلى الصحة، في تلك المواقع والقنوات المغرضة غالباً، فيما يتباهون في العلن أنهم  قد حذفوها من أجهزتهم أصلاً؟!

وبهذه المناسبة سأورد حواراً ما زال في الذاكرة بيني وبين صديق على يسار حزبنا الشيوعي في ثمانينيات القرن الفائت، وكنا نتجادل (وليس نتحاور، فالحوار لم ولن نكتشفه) حول موضوع سياسي، فاستشهد بخبر من إذاعة ( بي بي سي)، وهنا أمسكته من تلابيبه وظننت أنّى سأصرعه بالضربة القاضية، وقلت له: ها أنت ذا أيها اليساري الثوري، الذي تتهمنا بالانتهازية والانبطاحية والتبعية للسوفييت، تستقي أخبارك من هذه الأفعى السامة التي تدسّ السّم في الدسم (هكذا كان يعلّمنا الرفاق الكبار)..

ضحك صديقي حتى بانت نواجذه، وقال، أتمنى أن تذهب وتسأل أمينك العام هل يستقي أخباره من إذاعة موسكو أم من إذاعة الجمهورية العربية السورية من دمشق..؟

هنا، أُسقط في يدي فعلاً، فأنا أعرف أن لا أحد  وبضمنهم الرفيق الأمين العام  يستقي أخباره ومعلوماته من هذه الإذاعات المؤطرة والموجهة والعاملة تحت إمرة أناس لا يفقهون أصول الإعلام العصري، يعملون في الإعلان والدعاية فحسب، وآخر همهم إرضاء المسؤول الأعلى منهم. . .هذا لا يعني أن (بي بي سي أو مونتي كارلو) وغيرها كانت حيادية ونزيهة، لكنها كانت تتقن عملها وتستخدم، وما زالت، كل منجزات علوم الإعلام والنفس والتكنولوجيا أيضاً لخدمة توجهها ضمن احترام عقل المتلقي، فيما كان الإعلام (المناضل) وما زال يظن الناس مجموعة هُبْلٍ، تجمعهم في مدرسة أو معمل ليصفقوا لك، وأنت تلقي دررك عليهم دون أن يسمعوك، ثم ينصرفوا إلى منازلهم بعد انتهاء المهرجان، وقد كسبوا يوم عطلة.. طبعاً، أنا الذي تلقيت الضربة القاضية هنا وسكتت..

وما زلنا ساكتين حتى تاريخه، رغم أن الدم وصل إلى الخواصر، ونوشك على الغرق في بحوره، ما زال مطلوباً مني – أنا المواطن السوري المقيم في سورية، المواطن الملتزم بدوامي وإيماني ببلدي وشعبي، أن أثبت ولائي للبلد بهذه الطريقة، أن أعيش بوجهين، وجه معلن يدّعي كاذباً أنه لا يقرأ ولا يشاهد ولا يسمع سوى ما يرضي البعض، ووجه خفيّ حقيقي يبحث عن التنوع، يبحث عن الآخر المختلف حتى لو كان في موقع إلكتروني محجوب، أو صفحة فيسبوك مغضوب عليها، أو قناة لا تعجبك سياستها..

هؤلاء نحن، ما زلنا، في زمن ثورة الاتصالات، نريد (إخفاء السموات بالقبوات).. وسنبقى طويلاً كما يبدو..

صحيح..كنا في سيرة (النت).. لعن الله السياسة و(سوستها)!

العدد 1194 - 15/04/2026