الروح… يا سمرا..
أن تمرّ شتاءً بامرأة (ذات قصة) تتدفأ -واقفة- على حطبات أشعلتها على قارعة الرصيف، وإلى جانبها كلب يقعي جالساً على كيس إسمنت فارغ، يبدو أنَّ المرأة تخلّت له عنه منذ قليل.. فهذا ما يعطيك قطرة فرح، مصدرها ذلك الرفق الدافئ بين الإنسان والحيوان، بتنا نفتقده نحن السوريين بين بعضنا بعضاً. أيام هذه الحرب على بلدنا. حيث نخر زمهرير الإرهاب وصقيع التكفير، مخ عظام علاقاتنا الإنسانية.
أن تتوقف ذات عجلة من أمرك، معطياً حق المرور في الطريق، لعجلات سيارة مقبلة، فيقف السائق دونك شاكراً ومؤشراً لك أن: تفضل ويحدث ذلك في أوقاتنا المأزومة هذه، حيث يتسابق الإخوة والأخوات على إحراز مقعد شاغر في حافلة أو إلى (لهف بلكوم) دسم في حفلة. فذلك ما يهبك قطرة فرح، لأنه ما يزال بين ظهرانينا من يحترم إنسانية الإنسان في داخله من خلال احترامه الآخر.
أن يطل عليك الجمال مع (صباح الخير) من صبية (طعشرية) تختارك أنت الخمسيني دون سائر خلق الله المتبتلين للجمال. لتسألك الطريق إلى أحد الأماكن في دمشق (ربما ينتظرها فيه الحبيب). فذلك ما يرشقك بقطرة فرح، تكفيك مؤونة خطوة أخرى، في الطريق إلى الانفراج (حيث ينتظر السوريون الأمن والسلام والفرج).
أن تتساقط دموع زميلتنا (نسرين) كلما استمعت إلى فيروز تغني (وحدن بيبقو مثل زهر البيلسان). متذكرةً زمنها الغابر الجميل، أيام كانت طفلة تنعم بدفء حنان أمها وأبيها. في الوقت الذي صارت فيه نساء ترأسن عصابات إرهابية ويأخذن حريتهن في تعذيب الضحايا. فذلك ما ينفحك قطرة فرح، تعطر عليك بهو أملك بغدٍ، لا ينقصه وفاء المرأة وتحنانها.
كثيراً ما طرقت أسماعنا وقرأت عيوننا، على شاشة الكارثة التي اجتاحتنا في ثلاث السنوات الماضية أقوالٌ مثل:
– لقد غادر الفرح قلوبنا.
– شوهت الحرب حياتنا.
– إننا نعيش جهنم التي سمعنا وقرأنا عنها.
– عشش البوم والغراب حتى في أحلامنا.
– لا مكان للفرح في حياتنا بعد اليوم.
لأصحاب الآراء السابقة ولكل من ماثلهم وشابههم في الرأي، ممن أحترم وأتفهم مشاعرهم أقول: مع كل ما نالنا من بلاء وابتلاء، وما دام هناك حولنا وفي داخلنا عِرق أخضر ينبض. فلن نعدم الفرح. بل اليوم وأكثر من أي وقت آخر، المكانة الأولى والأغلى والأهم والأبهى في حياتنا مرهونة للفرح، حتى ولو كان قطرة واحدة. واسمحوا لي هنا أن أهديكم قول صديقي (البطرسي): قطرة فرح في بحر من الأحزان قد تغدو محيطاً من السعادة.
أمَّا الزميلة (نسرين) التي لها من اخضلال الجسد وائتلاق الروح، ما يحرضني للقول -على عكس المثل السائر- لكلٍ من مسماه، جسداً وروحاً، نصيب. ولن أهديها أغنية فيروز (سمرا يا ام عيون وساع..) على الرغم من يفاعة سمرتها واتساع عينيها. ذلك كي لا أبكيها وإنّما أهديها أغنية نجاح سلام :
«رقة حسنك وسمارك
تقوليلي جايبة منين
خفة دمّك أشعارك
والمعنى برموش العين يا محلى
الروح يا محلى
الرووووح يااااسمرا»!