لماذا كان كارل ماركس محقاً؟! (14)

يتمتّع العصر الرأسمالي الحديث بلا شكّ ببعض المزايا. فالعديد من ميزاته، بدءاً من إصلاح قوانين العقوبات، إلى التخلّص من القمامة بطرق صحيّة، إلى ضمان حرّية الرأي، كلُّها قضايا ذات أهميّة بالغة بحدِّ ذاتها، وليس فقط حتى تكون بشكلٍ أو بآخر مفيدة في مستقبل اشتراكي، إلا أن ذلك لا يؤدي بالضرورة إلى تبرير النظام لاحقاً. وحتى لو أنتج مجتمعُ الطبقات في النهاية الاشتراكية، لاستطعنا أن نقول بأن الثمن الذي دفعته الإنسانية لهذا الإنجاز السعيد كان باهظاً جداً. وكم من السنين على الاشتراكية أن تدوم، وكيف يجب أن تزدهر حتى تستطيع لاحقاً معادلة عذابات مجتمع الطبقات؟ أليست هذه المقاصصة مستحيلة كاستحالة تبرير معسكر الإبادة أوشفيتز. يقول الفيلسوف الماركسي ماكس هوركهايمر إن مسار التاريخ درب فوق آلام الأفراد وعذاباتهم. فيما بين هذين الأمرين الواقعين، هناك سلسلة من التفسيرات، لكن ليس هناك من مغزى يبرِّر.

لا تصلح الماركسية كوجهة نظرٍ عالمية محزنة، إذ تبدو خاتمتُها، الشيوعية، متفائلة جداً. لكن من يُهمل طابع هذه الفلسفة التاريخية المحزن، يسهو عن تعقيداتها العميقة. والحكاية الماركسية ليست محزنة بمعنى أن نهايتها سيئة، فليس بالضرورة أن تكون القصة سيئة حتى تكون نهايتها محزنة. وحتى لو وصل البشر في النهاية إلى السعادة، سيبقى الأمر المحزن أنه كان على الأجداد أن يمشوا عبر جهنّم، ليجعلوا الأحفاد يتمتّعون بما تم تحقيقه. كثيرون سيبقون مرميّين على قارعة الطريق، لا عزاء لهم، منسيّين. وبدون هبَّة، بالمعنى الحرفي للكلمة، لن نستطيع تعويض هؤلاء الملايين عن الآلام التي عانوها. ونظرية ماركس التاريخية هي بهذا المعنى تماماً مفجعة.

لخّص أيجاز أحمد هذه النقطة بدقة عندما عاين موقف ماركس من إبادة صغار الفلاحين، علماً أن وجهة نظر أحمد ذات معنى أعمّ حول مؤلّفات ماركس كلها، فيقول: (هناك شعور بالتمزّق الشديد والضياع الكامل. إنه مأزق أخلاقي لا يمكن الموافقة عليه، بدون قيد أو شرط، لا على القديم ولا على الجديد، إنه رؤية أن الضحايا تتصرّف بشكل لائق وجدير بالنقد، وهو أيضاً رؤية أن تاريخ الانتصارات والهزائم إنما هو في الواقع تاريخ طرق الإنتاج، وبصيصُ أملٍ في أنه قد ينجم عن هذا التاريخ الذي لا يرحم شيء جيّد في النهاية). يجب ألا تكون المأساة (التراجيديا) بالضرورة بدون أي أمل، لكن عندما تسمح لنفسها ببعض التفاؤل، فيجب أن يكون ذلك بوجل وارتعاش وسحنةٍ متجمّدة من الخوف.

هناك نقطة أخرى تستوجب الذكر. يعتقد ماركس، كما رأينا، أن الرأسمالية ضرورية بالنسبة للاشتراكية. لكن هل هذا صحيح أيضاً؟ ماذا لو حاولنا لدى تطوير القوى العاملة من مستوى متدنٍّ جداً أن نتصرّف وفق القيم الديمقراطية الاشتراكية قدر الإمكان؟ لا شك أنها مهمة صعبة جداً. ومع ذلك ابتغى هذه المحاولة بعضُ -أعضاء المعارضة اليسارية في روسيا البلشفية. ومع أن هذه التجربة قد فشلت، إلا أن هناك العديد من القرائن التي كانت قد تجعلها في هذه الظروف الاستراتيجية الصحيحة. وماذا كان سيحصل فيما عدا ذلك لو لم تصل الأمور إلى الرأسمالية؟ ألم يكن للإنسانية أن تجد طريقاً أقلَّ وحشية، من أجل تطوير ما اعتبره ماركس إنجازاتها العظيمة: رخاء مادي، إمكانات خلاقة لا تُعد ولا تُحصى، تقرير مصير، نهضة ثقافية إلخ…إلخ؟ ألم يكن بإمكان المسار الآخر أن ينجب أيضاً عباقرة من أمثال رفائيل وشكسبير؟ لنتذكّر فقط زمن ازدهار الفنون والعلوم في الحضارات القديمة في اليونان ومصر وبلاد فارس والصين والهند وما بين النهرين وفي أماكن أخرى. هل كانت الحداثة الرأسمالية ضرورية فعلاً؟ كيف نقارن قيمة العلوم الحديثة وحرّية الإنسان مع الإنجازات الفكرية لمجتمع قبليّ؟ هل يمكن الموازنة بين الديمقراطية والمحرقة؟

سيتبيّن لنا أن القضية ليست ذات طبيعة أكاديمية. لنفرض أن قليلين منّا قد نجوا بأنفسهم من كارثة نووية أو بيئيّة، وبدأوا بالمهمة المثبِّطة في إعادة بناء الحضارة. وبما أننا نعرف أسباب الكارثة، أليس بالحريّ فينا أن نجرّب هذه المرّة طريق الاشتراكية؟!

 

تأليف: تيري إيغلتون

العدد 1194 - 15/04/2026