ما هكذا تكون الرقابة على الأسواق يا تموين!.. حملات التموين تلاحق بائعي المفرق وتترك منابع السلع والمواد!
حملات متتالية تقوم بها وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك على الأسواق لضبط الأسعار ومنعها من الارتفاع، فما من يوم إلا وتنشر الصحف المحلية أو المواقع الإعلامية خبراً عن عدد الضبوط التموينية التي تنظمها دوريات التموين في الأسواق خلال فترة قياسية، فمثلاً في آخر تصريح لتموين دمشق ذكر فيه أن عدد الضبوط التموينية التي نظمتها الدوريات في أسواق دمشق خلال فترة 7 أيام بلغ نحو 248 ضبطاً، وذلك خلال فترة 22 و28 شباط 2015 كما أكد معاون مدير التجارة الداخلية بدمشق محمود الخطيب، أن الضبوط المنظمة في الفترة ما بين 11 و21 شباط الماضي سجلت 386 ضبطاً، في حين أوضحت وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك أن عدد الضبوط الإجمالية المنظمة منذ بداية العام حتى 12 شباط الماضي بلغ 4834 ضبطاً تموينياً.
ماذا يعني ارتفاع عدد الضبوط التموينية في أسواقنا خلال فترات قصيرة جداً؟
وهل هذه الضبوط حقيقية، أي أنها حقاً مخالفات في الأسواق؟
الجواب عن الشق الأول من السؤال هو أن ذلك يعتبر مؤشراً على ارتفاع نسب الغش والتدليس والمخالفات في أسواقنا.. وسؤالنا هنا: لماذا لم تضبط هذه المخالفات لحين هذا الوقت؟ وهل كانت وزارة التجارة الداخلية تعلم بهذه المخالفات ولم تقم بحملات لضبطها؟ إذاً الرقم هو مؤشر أيضاً على ترهل عملية الرقابة التموينية على أسواقنا، وليس مؤشراً على صرامة الرقابة، بل إن انخفاض عدد الضبوط التموينية المنظمة في أسواقنا هو دليل على أن أسواقنا ملتزمة بضوابط قانون التموين، وإن كثرة الضبوط تعني العكس، وبالطبع لا يمكن الأخذ بهذه الفكرة بشكل مطلق فقد تكون قلة الضبوط أيضاً ناتجة عن عدم وجود رقابة على الأسواق، وبالطبع لا يمكن التفريط بعملية الرقابة على الأسواق لأنها أساسية، فليس كل البائعين سواسية وليس معظمهم يحترمون القانون.
لا مفر من الضبط.. والحق على الصحافة
أما الشق الثاني من السؤال وهو: هل هذه الضبوط حقيقية أي أنها نظمت بحق مخالفات واقعية ومنطقية؟.. الجواب هنا لن يكون على لساننا بل وفقاً للكثير من التجار والباعة، فإن عملية كتابة ضبط التموين باتت أمراً اعتيادياً لعناصر التموين لدى دخولهم عند البائع، وخاصة بائع المفرق وليس الجملة، فمثلاً ذكر أحد تجار الألبسة أن مجموعة من عناصر التموين قامت بحملة على سوق مساكن برزة في دمشق، ودخل عليه عناصر التموين، ووفقاً للعادة المتداولة بين البائعين وبعض عناصر التموين، كان البائع يخرج مبلغاً من المال لعناصر التموين لا رشوة ولا فساداً ولا منه، بل لأن عنصر التموين قادر على مخالفة هذا البائع حتى لو لم يكن لديه مخالفة! أما كيف ذلك فسيأتي جوابه في الأسطر القادمة، وتكملة للقصة، أخرج البائع مبلغاً من المال لعناصر التموين ورحب بهم، إلا أن عناصر التموين هذه المرة لم يرضوا بالمبلغ وقالوا: (لا نستطيع تقاضي أي مبلغ من المال هذه المرة)، وأضاف أحد عناصر التموين للبائع: أتينا لتنظيم ضبط بحقك! فقال البائع: أي ضبط هذا؟ قال: أَعطنا فواتير عن البضائع.. قال البائع لا يوجد لدي فواتير في كل البضائع، ذلك أن بائع الجملة لا يعطي فواتير لبائع المفرق لأن المصنع لا يعطي الفواتير لبائع الجملة، أي أنه لا يوجد تداول فواتير في كل أنواع البضائع! وبالطبع هذا معروف لدى الجميع وليس الأمر بجديد، فقال عنصر التموين للبائع: إذاً أعطنا بطاقة البيان لعدد من البضائع، أو سنختصر عليك الطريق سنكتب في الضبط عدم الإعلان عن الأسعار، قال البائع: أنا معلن عن الأسعار فلماذا تكتبون بحقي هذا الضبط، قال عنصر التموين: لا بد من كتابة ضبط تمويني بحقك وبحق معظم محالات الألبسة، لذا (سنخدمك) ونكتب ضبط عدم الإعلان عن الأسعار، لأنه أرخص أنواع الغرامات عليه، إذ لا تتجاوز غرامته 12 ألف ليرة، وبالطبع البائع لا حول له ولا قوة، فلم يكن له إلا أن يرضخ لهذا الأمر وكتب الضبط بحقه رغم أن هؤلاء العناصر يرتادون محله بين الحين والآخر ليأخذوا (الإكرامية) منه، ولكن وفق قول أحد عناصر التموين للبائع: (لا تلومنا، والحق على الصحافة في ذلك).
لهذه الأسباب عنصر التموين قادر على مخالفة أي بائع مفرق
أما الجواب عن أن عنصر التموين قادر على أن يكتب مخالفة بحق أي بائع حتى ولو كان نظامياً، فإنه من المعلوم أن في أسواقنا المحلية لا يوجد تداول للفواتير في جميع مراحل العملية التجارية، أي بدءاً من المستورد أو المصنع وصولاً إلى بائع المفرق، وبالطبع ليس الحق على بائع المفرق هنا في عدم تداول الفواتير، بل يجب على عناصر التموين أن تلاحق المصنع أو المستورد وتطلب منه الفواتير وليس من بائع المفرق، أما في حال عدم مطابقة السلعة لبطاقة البيان، فهذا لا يتحمل وزره أيضاً بائع المفرق، وهنا قمة الاستغراب، هل بائع المفرق هو المصنع لهذه السلعة حتى يخالف؟.. ولماذا لا يخالف من قام بتصنيع هذه المادة أو السلعة أو من قام باستيرادها؟ ولماذا يلاحق بائع المفرق الذي اشتراها وفق بطاقة بيان معروضة عليها، هل لدى بائع المفرق مخابر لتحليل مدى مطابقة هذه السلعة لبطاقة البيان؟ وهل هو قادر على فحص جميع القطع التي اشتراها من بائع الجملة أو من المصنع او المستورد؟.. بالطبع لا، إلا أن عناصر التموين تخالف بائع المفرق وكأنه هو من قام بتصنيع السلعة وهو من قام بالتلاعب بمواصفاتها وتترك المصنع والمستورد! فهل هذا منطقي؟..نرى أن ذلك غير منطقي أبداً، إذ يجب تركيز الرقابة التموينية على منابع السلع لا على فروع استهلاك السلع، فعندما يضبط المنبع فإنه بطبيعة الحال تضبط الفروع الآتية من المنبع، لأن المنبع هو المغذي لهذه الفروع، إلا أن ذلك لا يحدث في أسواقنا، فالمطالبة بالفواتير وأخذ ضبوط العينات لا تكون إلا من بائع المفرق وليس من المصنع أو المستورد، وهذا هو أحد أوجه الخلل في الرقابة لدينا.
وبالطبع لا تغني الرقابة على منبع السلع والمواد من الرقابة على فروع الاستهلاك أي بائعي المفرق والجملة، فقد تكون هناك بعض السلع منتهية الصلاحية أو يوجد شطط في الأسعار يجب ضبطه لدى بائعي المفرق، ولكن تبقى هنا عملية الرقابة أسهل بكثير، فهي تنحصر في أنواع محددة جداً من المخالفات.
قانون التموين الجديد يجب أن يحاكي واقع أسواقنا
ما نود الإشارة إليه في ختام حديثنا أنه من المهم جداً أن يكون في قانون التموين الجديد مراعاة لهذه المسألة، ذلك أن حجة بائع المفرق لدى رفع سعره هي أنه اشترى السلعة مرتفعة السعر من بائع الجملة، وحجة بائع الجملة هي أنه اشترى السلعة مرتفعة أيضاً من المصنع أو المستورد، كما يجب أن يكون القانون منطقياً ويحاكي واقع اسواقنا، فليس من المنطقي أن يطالب تاجر بفواتير وليس في أسواقنا تداول للفواتير لمعظم السلع، وليس من المنطقي أن يطالب بائع المفرق ويغرم ويخالف لعدم مطابقة بطاقة البيان للسلعة، فهو ليس المصنع لها، وهو ليس على دراية تامة كيف صنعت هذه السلعة، ومن المهم جداً وقف عمليات الابتزاز التي يقوم بها بعض ضعاف النفوس من عناصر التموين لبائعي المفرق، وأن يتم التركيز على بائعي الجملة والمصنعين والمستوردين، وأن يتم التركيز في الرقابة أيضاً على حاجيات المواطن الأساسية مثل النقل والتلاعب بتعرفته التي أنهكت دخل المواطن وبات حائراً كيف يصل إلى مكان عمله، والتركيز أيضاً على السلع الغذائية والأدوية التي أصبحت تجارة علنية وكأنها كأي سلعة أخرى ترتفع وتنخفض على وقع سعر الصرف، فهل ركزت رقابة التموين على هذه الأمور؟