ورق توت
.. يتأخر أحدنا يوماً في الشهر، لظرف طارئ، ولبضع دقائق، عن عمله، فتقوم قيامة رب العمل. وتنتبج أوداجه، وتنفتح قريحته وغيرته على العمل والمعمل: بدءاً من (العمل مقدس)..و(الدوام خط أحمر).. مروراً بـ(دقيقة فوق دقيقة تكوّن ساعة عمل)، وصولاً إلى (ساعة فوق ساعة تشكل يوم عمل كامل تخسره المنشأة)!
يأخذ أحد عناصر شرطة المرور، في أحد شوارع العاصمة، من أحد السائقين الكرام (سُكَّرَة مُسَكَّرَة) تبلّ ريقه الناشف من حرّ الصيف وقلّة المصروف وكثرة الصفير. فيعلق أحد ركاب الحافلة، على اتهام جاره العصامي العنصر بالارتشاء، أن (أوقفتْ عند تلقّف ذلك المسكين حبّة سكّر من يد السائق!؟)..
تُعيّن إحداهن موظفة، من قبل مسؤول لا يُسأل، من دون مسابقة رسمية تتقدم إليها، ولا أوراق ثبوتية تُرفع للجهة المعنية، سوى نجاحها في السبق إلى تهنئة المسؤول المذكور بمنصبه الجديد، ورفعها له ورقة وحيدة – على ذمة الواشي – من ذلك النوع الذي يدعونه (ورق توت). علماً أن آلاف المواطنين والمواطنات، من حملة الشهادات والكفاءات والأخلاق العالية، يمضون أوقاتهم، يوماً في بيوتهم، وآخر أمام دوائر الهجرة، بانتظار مسابقة فعلية أو جواز سفر معفى من ضريبة الركض والبرطيل، يهبط عليهم من علٍ.
ويستنكر رهط معطلين عن العمل والأمل، تصرُّفَ المسؤول أعلاه، لدى مسؤول أعلى. فيرد الأخير عليهم متسائلاً متعجباً -وبراءة الأطفال في عينيه-بما معناه، أن (وقفت عند توظيف ذلك المسؤول، تلك المستورة!)..ونتدخل هنا ظانين، وبعض التدخل، كبعض الظن، ليس إثماً، لنقول:
قد يكون من المغالاة، أو مما في حكمها من المعاني، الادعاء أن تأخر أخينا العامل، على ندرته وتبريره، قد ضرب الإنتاج الوطني لمجموع شركاتنا ومعاملنا.. وتسكير (بوز) ذلك العنصر، على ما فيه من حلاوة، تسبب في نشر الفساد والإفساد، في ملاك وزارة الداخلية، وبين صفوف المواطنين..أو أن يكون توظيف تلك الصبية، بحد ذاته، قد خدش حياء (مكاتب التشغيل) وعرقل مسار وزارة العمل ولخبط مشاريع هيئة تخطيط الدولة! ولكن..وأرجو التركيز، على كل حرف من أحرف (لكن) بمثل تركيز أهالي طلابنا، على اختصاصي الطب والهندسة لأولادهم.
ولكن، أن تنتظم الأخطاء والتجاوزات، بل الارتكابات على أنواعها، مختلف قطاعات مجتمعنا وشرائحه، إلى حد لا يحتاج معه المرء، أينما وجد: في العمل.. في الشارع.. في الحي.. في الحارة.. أو في البيت، إلى أكثر من إلقاء نظرة على ما حوله، ليعود منها، بحفنة أخطاء مسكوت عنها، من قبل العامة والخاصة، وبضمنهم بعض المتضررين…منهم من يخفي تخاذله، خلف التساؤل الاستنكاري المشهور (أوقفت عند هذا!)..
منهم، من يسوّغ تقصيره، بقطع شعرة معاوية بينه وبين النظام، وغسل يديه من إمكانية الإصلاح، تحت عنوان (فالج لا تعالج).. ومنهم من يعلق تواطؤه على مشجب (ظروف البلد الآن لا تسمح)..
علماً أن الوقائع والتجارب والدراسات، تبين جميعها، أن معالجة السلبيات العضوية في الظروف الساخنة، تُعدّ من أولى مهام المسؤول الوطني، لما لها من تأثير على معنويات المواطن، وبالتالي على قوة تحمّله وصموده. كما أن العمل على حل المشاكل والأخطاء الصغيرة وعدم مراكمتها، هو خير وقاية من الوقوع في الأخطاء القاتلة والكارثية.
أما المسؤول الفاسد، فلا شك في أن تفاقم السلبيات وتردّي الأوضاع كافة، وغياب المراقبة والمحاسبة، أوقات الحرب، من شأنه أن يزيد أكثر فأكثر، فرص فساده وإفساده في المجتمع والدولة،وسيرفع أضعافاً مضاعفة نسبة نهبه وهدره خيرات البلد وأموال الشعب!