لماذا كان كارل ماركس محقاً؟! (12)
كتب ماركس: (التاريخ لا يفعل شيئاً، وهو ليس غنياً بشكل هائل. والتاريخ لا يكافح). إنه (الإنسان الحقيقي والمفعم بالحياة الذي يفعل كل شيء، يملك ويكافح. ليس التاريخ هو الذي يحتاج إلى الإنسان أداة لتحقيق أهدافه، وكأنه شخص فوق العادة، وإنما التاريخ هو أفعال الإنسان الذي يتابع بنشاطٍ مبتغاه)..
عندما يشرح ماركس ظروف الطبقات في العصور القديمة والوسطى والحديثة، فغالباً ما ينشأ لدينا الانطباع وكأنها ذات أولوية، كما اهتم بإيضاح أن لكل طريقة إنتاج قوانين تحكم تطوّرها، من مجتمع العبوديّة إلى الإقطاع إلى الرأسمالية. ولو كان الأمر كذلك، لكان لزاماً علينا أن نفكّر بمفاهيم عملية تاريخية (خطيّة) تقتضي أن تتبع كلُّ طريقة إنتاج سابقتها وفق منطق داخلي صارم. لكن الإقطاع لا يملك خصائص داخلية ترسم حتميّة انتقاله إلى الرأسمالية. والتاريخ ليس خطاً واحداً تسير عليه الأحداث، وإنما هو سلسلة من الاختلافات والانقطاعات.
والاقتصاد الرأسمالي هو الذي يتوجَّه باتجاه قوانين التنمية العالمية، وليس الماركسية. وفي الواقع، فقد دافع ماركس عن نفسه ضد ما اتُهم به من أنه يحاول ضغط كامل التاريخ في قانون واحد. وكما يليق رومانسيّ حقيقي، كان يكره بشدّة أمثال هذه المجرّدات التي لا حياة فيها. أوضح إنجلز في إحدى رسائله بأن الطريقة المادية تنقلب إلى ضدِّها إذا لم تُعالج في دراسة التاريخ كدليلٍ فقط، وليس كقالبٍ جاهز نصنّف الوقائع التاريخية وفقه. كما حذّر ماركس من أنه (لا يجوز تحويل الأفكار الخاصة عن كيفية نشوء الرأسمالية إلى نظرية فلسفية تاريخية حول مسار التطوّر العام، وكأنه مكتوب على جميع الشعوب اتباعه كقضاء وقدر، – مهما اختلفت الظروف التي يعيشونها). وإذا نشطت مناحٍ للتطور باتجاه ما في التاريخ، ظهرت مناحٍ أخرى مضادة جعلت النتائج غير مضمونة.
كان هناك بعض الماركسيين الذين خفّفوا من أولويّة القوى المنتجة وفضّلوا النظرية البديلة الآنفة الذكر عليها. لكنهم كانوا حذرين جداً في ذلك. فالنظرية الأولى برزت في أكثر من موقع هام من مؤلفات ماركس، بحيث يمكن الاستنتاج أنه قد أخذها بالفعل على محمل الجدّ، إذ لم ترد هذه المقاطع عرضاً على شكل هفوات موضعية. كما فسّره ماركسيون كبار من قبيل لينين وتروتسكي بهذا المعنى أيضاً. يدّعي بعض المعقّبين أن ماركس كان قد تراجع، لحدٍّ ما، عن اعتقاده بأن تكون القوى المنتجة بطل التاريخ، عندما بدأ بتأليف كتاب (الرأسمال). وينفي آخرون ذلك. وبالتالي، فلمفسّري مؤلفات ماركس كامل الحرية في أن يختاروا الأفكار التي تبدو لهم معقولة. إذ لم يعد ينظرُ إلى مؤلفات ماركس على أنها كتاب مقدّس إلا متعصّبون ماركسيّون، وهم الآن أقلّ بكثير من المتعصّبين دينياً.
لا توجد براهين دامغة على أن ماركس كان جبريّاً، بمعنى أنه أنكر على الإنسان، من حيث المبدأ، مقدرته على التصرّف بحرّية. بل على العكس تماماً، فقد آمن بلا شكّ بهذه الحرية وقال بشكل دائم، وليس فقط في مقالاته الصحفية، بأنه كان بإمكان الناس (بل من واجبهم أحياناً) التصرف بشكل مغاير، بغض النظر عن القيود التاريخية التي خضعوا لها.
أمّا إنجلز الذي يُعتبر أحياناً الجبريّ البارز، فقد اهتم طيلة حياته بالاستراتيجيات العسكرية التي لم تُملِها أيّةُ حتمية تاريخية.
يعتبر ماركس الشجاعة والإصرار شروطاً حاسمة للنصر، وهو يسلِّم بتأثير الوقائع المصادفة الهام على مسار التاريخ. فجائحة الكوليرا التي أصابت عام 1849 الطبقة العاملة المقاتلة في باريس كانت مثالاً واحداً على ذلك.
على كل حال، يتعلّق الأمر هنا بأنواع مختلفة من الحتميّة. بالطبع، يمكننا اعتبار بعض الأشياء حتميّة، من دون أن نكون جبريين. ويرى عاشقو الحرية أن الموت محتّم. عندما يتدافع عدد كبير من التكساسيين في
حجرة التلفون الصغيرة، فسيموت بعض منهم دهساً. وهذه مسألة فيزياء ولا علاقة لها بالقدر. ولا يغيّر من الأمر شيئاً أنهم تدافعوا بملء حريتهم. التصرّفات التي نقوم بها بملء حريتنا، تجعلنا في غالب الأحيان نجابه قوى غريبة. وعلى هذه المعرفة تستند نظريات ماركس حول التحوّل والنظر إلى البضائع وكأنها تميمة.
يأتي مفهوم الحتمية في معانٍ أخرى أيضاً. فعندما أقول بأن انتصار العدالة في زمبابوي أمر محتّم، أو لا بدّ منه، فهذا لا يعني بشكل مطلق، أن ذلك سيحصل بالضرورة. وقد يعني ذلك أن القضية تتعلّق بأمر أخلاقي أو سياسي قد يكون البديل عنه شيئاً فظيعاً لا نريد تصوّر أبعاده. وهكذا قد لا يعبّر الشعار (الاشتراكية أو البربرية) عن أننا سنعيش على أية حال إما في ظلّ الأول أو في كنف الثاني. وربما أُريد من هذا الشعار تبيان مدى سوء نتائج إخفاق الاشتراكية. يقول ماركس في (العقيدة الألمانية) (بأنه يجب على الأشخاص الحاليين إلغاء الملكية الخاصة). وهذا (الواجب) هو بمثابة توجيه سياسي لهم أكثر من كونه ادعاء بعدم وجود خيار آخر أمامهم. ربما لم يكن ماركس جبرياً، إلا أن هناك العديد من الصيغ والتعابير في مؤلّفاته التي تثير الانطباع حول الجبريّة التاريخية. وهو يقارن أحياناً القوانين التاريخية بقوانين الطبيعة، ويكتب في (الرأسمال) عن (قوانين الإنتاج الرأسمالي الطبيعية.. على أنها المنحى الذي يُملي نفسه ويؤثّر بالضرورة الحازمة). وعندما يكتب أحد مفسّري ماركس إن التطوّر التاريخي يظهر في مؤلفاته كعملية تاريخية طبيعية، يبدو أن ماركس يوافق على ذلك. كما يبدو أنه وافق على ما استشفّه أحد النقاد من مؤلفاته عندما قال بأن ماركس يبرهن، (عن طريق حتمية النظام الحالي، على حتمية النظام الآخر، إذ سيضمحلّ النظام الحالي في النظام الآخر. ومع ذلك، ليس واضحاً أبداً كيف يمكن التوفيق بين هذه الجبرية الصارمة، والأهمية المركزية التي يعزوها ماركس إلى صراع الطبقات.
يُلغي إنجلز أحياناً الخط الفاصل بين القوانين التاريخية وقوانين الطبيعة، ليعود بعد ذلك إلى إظهار امتزاجها بعضها مع البعض الآخر. وماركس يغازل فكرة أن نبرهن على التاريخ من الطبيعة، إلا أنه يشير أيضاً إلى أننا نحن الذين نصنع التاريخ وليست الطبيعة. وينتقد تطبيق قوانين علم الأحياء (البيولوجيا) على التاريخ الإنساني، ويرفض فكرة سريان قوانين تاريخية عالمياً. واستخدم ماركس، ككثيرٍ من مفكّري القرن التاسع عشر، من أجل الدفاع عن مؤلَّفاته، سلطة علماء الطبيعة، الذين كانوا يمثّلون في تلك الأيام أعلى معرفة، ومن المحتمل أنه كان يرى إمكانية اكتشاف قوانين التاريخ بالدقة التي تُكتشفُ فيها قوانين الطبيعة.
ومع ذلك، من الصعب أن نتصوّر أنه اعترف بالفعل لقانون هبوط نسبة الأرباح وقانون الجاذبية بسريان
المفعول ذاته. ومن المستحيل أن يكون قد فكّر بأن التاريخ يتشكّل كالعاصفة الرعديّة. صحيح أنه اعتقد أن مسار الأحداث التاريخية ينمّ عن هيئةٍ مميَّزة، لكنه لم يكن الوحيد الذي اعتقد ذلك آنذاك. قليلون فقط هم الذين يعتبرون تاريخ الإنسان مصادفة بحتة. إذا كانت الحياة الاجتماعية لا تخضع لأية قواعد ولا لخطوط عامة يمكن التنبّؤ بها، لما استطعنا التصرّف بشكل هادف. لا يوجد سوى طرفي نقيض: إما القوانين التي لا ترحم من جهة، وإما الفوضى العارمة من جهة أخرى. لكنَّ كلَّ تصرّف إنساني يفتح آفاقاً مستقبلية معيَّنة ويغلق آفاقاً أخرى. وهذه العلاقة المتبادلة بين الحرية والتقييد أبعد من أن تكون نوعاً من أنواع الحتمية التي لا مناص منها.
وإذا حاولنا تطبيق الاشتراكية في ظروف اقتصادية تعيسة، فستنتهي التجربة، كما رأينا، إلى نوع من الستالينيّة. وهذا نموذج عاصرناه أكثر من مرة في عدد من التجارب الاشتراكية الفاشلة. والليبراليون والمحافظون الذين لا يعترفون عادة بالقوانين التاريخية مستعدون في هذه الحالة الخاصة لتغيير رأيهم. إلا أن كلَّ من يدعي أن مثل هذه التجربة ستنتهي حتماً بالستالينية، يسهو عن ما لا يُقدَّر في التاريخ. ربما يثور الناس البسطاء ويستولون على السلطة وقد يدعمهم في مسعاهم هذا عدد من الدول المتطوّرة بشكل مفاجئ، أو أنهم يكتشفون أنهم يعيشون فوق أكبر مكامن نفطية في الكرة الأرضية، ويستطيعون بذلك المباشرة بتطوير اقتصادهم الوطني بشكل ديمقراطي.
تأليف: تيري إيغلتون