مع ماركس وضد سبنسر

 

 

 

 

 

(الماركسية تبقى فلسفة زمننا الحالي فلا يمكن تخطيها لأننا لم نتخطَّ الظروف التي أنتجتها).

جان بول سارتر

 

 فوجئ البعض بطرح امكانية ادارة اليسار للاقتصاد الرأسمالي، فالشائع بين كثيرين أن الماركسية تُعادل (معاداة الرأسمالية) وحسد الفقراء للأغنياء على ثروتهم، وبالتالي فإن الثورة الاجتماعية ما هي إلا انتصار للضعيف على القوي لإقامة نظام مساواة يتولّى مباشرة توزيع الثروة والدخل بالتساوي بين الجميع.

طبعاً هناك الوجه الاخلاقي للماركسية، وهذا ما يعطيها الزخم السياسي والتاريخي، إلا أن الماركسية صمدت في وجه الحرب الإيديولوجية التي تشنها الطبقات الحاكمة، ليس لأنها فكر مبني على الحقد الطبقي أو يبحث عن العدالة الاجتماعية (فهناك الكثيرون ممن سبقوا ماركس في هذا المجال أو أتوا بعده)، بل لأنها فكر علمي لفهم الرأسمالية وقوانينها أولاً، وثانياً، لأن مقاربة الماركسية لتخطي الرأسمالية نحو نظام اقتصادي اشتراكي، مبنية على تفوق الاشتراكية على الرأسمالية من ناحية الكفاءة الاقتصادية، إضافة الى تفوقها الأخلاقي والحضاري. ولدت الماركسية في خضم الرأسمالية، ولم يكن بالإمكان أن تخلق في وقت آخر. إن القطع المعرفي، الذي أحدثه ماركس في العلم الاقتصادي والتاريخي، لم يكن بالإمكان حدوثه حتى مئة سنة قبل 1848؛ لهذا يبقى ماركس حاضراً بيننا، بينما يغيب الآخرون، الذين تحدثوا عن العدالة الاجتماعية أو انتصروا للفقراء في مراحل عدة من التاريخ، أو حتى بنوا (يوتوبيات)، بدءاً بتوماس مور في القرن السادس عشر. اليوم، بعد خمسين عاما، لا تزال مقولة سارتر صالحة، لأن الرأسمالية لم يجرِ تخطيها.

بعد أزمة ،2008 عاد ماركس بقوة، لأنه خلال الازمات الرأسمالية من الصعب فهم ما يحدث من دون عدسة ماركس الثاقبة. يقول فيليب بول في كتابه (الكتلة الحاسمة): (إن ماركس اكتشف نبض الاقتصاد الرأسمالي (…) إن أكثر النظريات التي طورّت منذ عهد ماركس يمكن وصفها بأنها محاولات يائسة لترويض ذلك الذي لا يُمكن ترويضه).

لم يصف أي مفكر أو اقتصادي آخر، بالقوة نفسها، الجانب التقدمي للرأسمالية. كتب ماركس وانغلز في البيان الشيوعي في 1848: (إن البرجوازية خلال مئة عام من حكمها خلقت من قوى الانتاج أكثر من كل الاجيال السابقة مجتمعة). فهذه الرأسمالية المُراكمة للرأسمال والمُحدّثة تكنولوجياً لا يمكن تصور انتهائها إلا عندما تنتهي رسالتها التاريخية، أي عندما تصبح الرأسمالية نفسها عائقاً أمام تطور قوى الإنتاج. هذا ما طرحه ماركس وأنغلز وتمسكا به على الرغم من اتهامات البعض لهما بالخيانة لانكفائهما الى العمل النظري بعد 1848 (الذي أنتج (رأس المال))، لأنهما علما بفكرهما العلمي استحالة الثورة البروليتارية بعد هزائم 1848. حتى البلاشفة، الذين وصلوا الى السلطة في روسيا واسسوا الاتحاد السوفييتي، طبقوا هذا الفكر العلمي، على الرغم من الاحتياجات الآنية لممارسة السلطة السياسية. فمنذ اللحظة الأولى كان لينين شديد القلق على السلطة السوفييتية، لعلمه أن المشروع الاشتراكي يجري تحقيقه في بلد لا يزال في أوائل تطوره الرأسمالي، ما دفعه الى اتباع السياسة الاقتصادية الجديدةNEP).)

في خضم ذلك، انتجت هذه النظرة العلمية ما عُرف بنقاشات التصنيع، التي وضعت فكر بوخارين حول (الانتقال الى الاشتراكية على عربة الفلاحين)، أي التطور التدريجي نحو الاشتراكية، في مواجهة نظرية بريوبريجنسكي حول (التراكم الاشتراكي الاولي)، اي التصنيع السريع الوتيرة عن طريق نقل القيمة الزائدة من الزراعة الى الصناعة. في نهاية الامر انتصر فكر بريوبريجنسكي مع تبني ستالين له وقد ضمن هذا، ليس تقدم الاتحاد السوفياتي الصناعي والتكنولوجي اللاحق فحسب، بل ايضا بقاء الاتحاد السوفياتي نفسه، اذ قال ستالين في 1931: (إما ان نلحق (بالرأسمالية) في عشر سنوات وإما سيسحقوننا). في عام 1941 شنت المانيا النازية حربها ضد الاتحاد السوفياتي، ولولا التقدم الصناعي السوفياتي لكان وجه العالم، حتى الديمقراطي منه، قد تغيّر الى الأبد.

كتب جون ماينارد كينز، بعد زيارته الاتحاد السوفياتي في عشرينيات القرن الماضي: (اذا كانت روسيا ستكون قوة مشهودا لها في العالم، فإنها لن تكون بسبب مال زينوفيف (أي القوة الاقتصادية). لن تكون روسيا مهمة لنا (اي في الغرب المتقدم) إلا إذا كانت قوة أخلاقية). وأضاف: (لو كنت روسياً اليوم لكنت قد ساهمت بمقدار عملي لروسيا السوفييتية، لا لروسيا القيصرية). من المعروف عن كينز أنه لم يكن مُعجباً بالقيمة العلمية للماركسية، لكنه في تلك الفترة استشف قوتها الاخلاقية في خلق مجتمع جديد، مجتمع يتفوق أخلاقياً على رأسمالية أصبحت بالنسبة إلى كينز تبدو أكثر فأكثر من دون روح، ومن دون مقدرة على تحقيق ما كان الكثيرون يؤمنون به، من أنها (ستنقلنا إلى جنة اقتصادية نكون فيها أحرار نسبياً من المتطلبات الاقتصادية). على الرغم من انتهاء التجربة الاشتراكية في روسيا، لا تزال رسالتها الأخلاقية ساطعة: إننا نستطيع أن نبني اقتصاداً متقدماً من دون سلطة رأس المال في سعي دائم للعدالة الاجتماعية والتقدم الثقافي والحضاري.

إن الرأسمالية نظام مؤقت. حتى في أفلام الخيال العلمي، فإن المجتمعات المستقبلية هي إما شيوعية أو فاشية. وفي زمن بدأت فيه الرأسمالية بالاهتزاز في المراكز المتقدمة لها، حيث من المرجح تزايد أزمتها إلى حد الانفجار في العشرين إلى الثلاثين سنة المقبلة، فإننا نستطيع أن نبدأ رحلتنا إلى الاشتراكية، حيث تفشل الطبقات البرجوازية في تحقيق رسالتها التاريخية، وذلك باتباع طريق بوخارين، لكن هذه المرة بدفع مقطورة الرأسماليين، نحو بناء القاعدة المادية للاشتراكية. لكن كي لا ينخدع احد أو يصاب بالخيبة، فإننا سنبني اشتراكية للإنسان، لكي لا يظل (البورجوازيون ينامون بكل ثقلهم فوق اجساد الفقراء والمعذبين، ولا يغفو العالم بكل ثقله على جماجم البائسين والكادحين)، كما قال غيفارا.

فنحن لا نؤمن بالبقاء للأقوى، كما قال هربرت سبنسر، بل نؤمن بماركس العالم لأن علمه سيفتح الطريق للتحرر الإنساني الكامل… ولهذا نحن مع ماركس ضد سبنسر.

عن (الأخبار)

العدد 1195 - 23/04/2026