مشاورات وليست محادثات
قبلَ دي ميستورا لم تحقق المبادرات النجاح في إيجاد الحل السياسي للأزمة السورية. فهناك جهات وأطراف إقليمية ودولية جاهزة لعرقلة أي حل سلمي، وذلك بهدف السير في تنفيذ مشروع أميركي، تركي، إسرائيلي، أردني، خليجي، رصدت مليارات الدولارات للإعداد له والبدء بتنفيذه منذ عام 2011.
وكان المبعوث الأممي متيقناً تماماً أن مبادرته في تجميد القتال في حلب قد أفشلها المسلحون الذين ينفذون تعليمات استخباراتية إقليمية ودولية توجه من غرفتي العمليات في (الأردن وتركيا).
وقدَّم دي ميستورا اقتراحاً جديداً بوشر العمل به في مطلع شهر أيار الحالي تحت عنوان: (مشاورات وليس محادثات). والفرق واضح تماماً لا التباس فيه بين المشاورات والمحادثات. فالمشاورات التي ستستمر نحو شهر ونصف يمكن أن تتحول إلى محادثات في (جنيف3) إذا حققت خطوات متقدمة توافق عليها جميع الأطراف التي ذهبت إلى جنيف. وعلى هذا الأساس دعا المبعوث الأممي أربعين طرفاً سورياً وعشرين دولة، إضافة إلى وفد الحكومة السورية، وكذلك دعا ممثلين عن الجاليات السورية في الخارج، وإيران وتركيا والسعودية والدول الخمس الكبرى الأعضاء في مجلس الأمن.
لقد حققت لقاءات موسكو2 خطوة في بداية الطريق لإجراء مباحثات بين المعارضات والحكومة السورية. وترى الحكومة السورية أن وثيقة (موسكو) هي القاعدة للانطلاق بالحوار الوطني السوري – السوري إلى جنيف،3 بينما ركز دي ميستورا على المقررات الأربعة لـ جنيف3 وهي: (تأسيس هيئة انتقالية، ومشاركة جميع عناصر المجتمع المدني، ومراجعة الدستور السوري، ثمَّ الإعداد لانتخابات رئاسية وبرلمانية حُرَّة ومفتوحة أمام جميع الأحزاب).
الآن.. ومنذ أيام، وبعد التغيرات في معارك (الكر والفر)، وما حققه الجيش السوري من حصار وقطع طُرق الاتصال والإمداد في القلمون والغوطة الشرقية، وتحشيد عسكري واسع في الغاب وجسر الشغور، بدأ السباق الماراتوني السياسي وبث الشائعات ومسلسلات الأكاذيب والأخبار المهدرجة في مخابر الاستخبارات الأميركية والفرنسية والسعودية والأردنية والاستعانة بالموساد الإسرائيلي، وتدبيج ما يؤسس لحرب نفسية يكون تأثيرها أكبر من المعارك على الأرض، ويمكن أن تشوش ذاكرة شعبنا وتبدل من قناعاته، أو تؤدي إلى تغيير في مواقفه الوطنية، كما يرى دُعاة الظلامية والتكفيرية وجنرالات الحرب النفسيين وأصحاب الاستراتيجية العسكرية الأميركية.
إن المواطنين السوريين يعيشون في قلب الأحداث.. فهم يرون بعيونهم ويسمعون بآذانهم.. ويتابعون الفضائيات (البيضاء والسوداء) والتحليلات من مختلف الاتجاهات والأيديولوجيات، بدءاً من (أشاوس السعودية) ومتابعة الخط الساخن الذي يصل بين آل سعود وأسيادهم الأميركيين والفرنسيين، وصولاً إلى (رائد تحرير الأمة الإسلامية – أردوغان)، المصاب بمرض أحلام اليقظة ولوثة الانتصار ووسواس تأسيس إمبراطورية عثمانية لبث الشرور في المنطقة واستعادة الأمجاد المنسية.
إن الحوار السوري – السوري كان ولا يزال يشكل القاعدة الرئيسة للمحادثات في جنيف3 وفي أي جنيف. ولكن السؤال المكرر: هل تجري الرياح بما تشتهي سفن الحل السلمي؟ هل يتوقف تصدير المسلحين وتجفيف منابع الإرهاب وإغلاق معسكرات التدريب التي جُهّزتْ في تركيا والسعودية والأردن وغيرها، لتدريب خمسة عشر ألف مسلَّح لإسقاط الدولة السورية؟
أسئلة عديدة لن تتم الإجابة عنها في الفترة القريبة، فما تزال الطريق السياسية التي تصل بين سورية وجنيف غير مبلَّطة. فهناك من يستعد أن يخلع بلاطها بالمعاول الأمريكية والسعودية.. هناك المضللون، الجاهزون، ومن الذين لا يعرفون سوى تخريب أي حل سياسي، ووضع أية توجهات قابلة للحل في فرَّامات الإمبريالية. وكثيرون محضّرون وفي جهوزية عالية لتهديم أي جسر للاتصال بين موسكو2 وجنيف3!
إن الجيش السوري الباسل الذي قاتل في عام 2012 على 468 جبهة في جميع المناطق السورية وعلى مساحة 185 ألف كيلو متر مربع، ما يزال يقاتل عشرات ألوف المسلحين التكفيريين بقوة ويقدَّم الشهداء كل يوم، ويحقق الهزائم لكتائب الموت والتكفير والظلام، ويواجه أكثر من ثمانين دولة. والشعب السوري وجميع الوطنيين والتقدميين والمخلصين يشكلون السند الداعم والقوة الخلفية الحامية له، من أجل وحدة سورية وسيادتها والحفاظ على القرار المستقل وضد أي تدخل خارجي وأية فتنة طائفية ومذهبية، والعمل من أجل سورية الموحدة أرضاً وشعباً.. سورية العلمانية المدنية المزدهرة.