إعمار الوطن.. بدءاً من إنصاف أبنائه
لا شكّ أنَّ ما جرى ويجري منذ أكثر من ثلاث سنوات وبكل اتجاهات الموت المجاني والدمار والخراب المادي والمعنوي والنفسي قد ترك في النفوس آثاره الأليمة التي لن تُمحى ولن تزول في يوم وليلة. فما شهده معظم السوريين بمختلف شرائحهم وأعمارهم يفوق الخيال من حيث شدّة الصدمات التي تعرضوا لها وتنوّعها، ومن حيث فظاعة ما عايشوه على مدى سنوات الحرب التي لا بصيص أمل على نهايتها في المدى المنظور. وهذا أمر طبيعي في كل المجتمعات البشرية التي تشهد حروباً داخلية عادية، لكن كيف سيستقيم الأمر مع الحالة السورية التي لا مثيل لها من النواحي كافة، لاسيما إذا ما أخذنا بالحسبان ما خلفته هذه الحرب من خراب ودمار للمباني والمرافق والبُنى التحتية بالتزامن مع نزوح وتشرّد ولجوء وخطف وقتل واغتصاب فاقت وحشيته حدود المعقول في نفسية من تَعَرَّضَ لذلك، خاصة شرائح الأطفال بمختلف أعمارهم، الذين لم يترسّخ في مخيلتهم أو ذاكرتهم سوى صور الدمار والدم والتشرد واليتم، وحوادث الاعتداءات الجنسية والخطف، أو التجنيد لأعمال قتالية وسواها، وفوق كل هذا وذاك هجرهم مرغمين لمدارسهم بحكم تشردهم ونزوحهم.
فشخصية الطفل ونفسيته تكون أكثر تأثّراً وتألماً من الكبار، بحكم نموه النفسي الذي ما زال هشّاً وضعيفاً، ولأنه أحوج ما يكون إلى الأمان والاستقرار والعاطفة الإنسانية التي تقوي شكيمته وتشدُّ من أزره لمواجهة حياته القادمة في الحالات العادية، فكيف سيكون حاله وتلك الحرب المجنونة قد أطاحت بكل أمانه واطمئنانه واستقراره النفسي والعاطفي والاجتماعي؟!
فهناك نسبة كبيرة من الأطفال المشردين الذين تاهوا عن أُسرِهم، أو الذين دفعهم فقر الأهل، أواليتم ليفترشوا الشوارع ليلاً ويجوبونها نهاراً للتسول أو العمل في مهن خطيرة ومرهقة لا تتناسب وأجسادهم الغضّة، كما أنها تؤذي أذى مباشراً منظومتهم القيمية والأخلاقية بحكم ما يتعرضون له من انتهاك لطفولتهم ونفسيتهم وكرامتهم الإنسانية التي يفترض أن نُعززها لديهم آباء ومربّين وحكومة ومنظمات مدنية، يُضاف إلى ذلك التحرّشات والاعتداءات الجسدية والجنسية التي تجعلهم يخلعون رداء الإنسانية وقيمها باكراً ليكونوا في المستقبل أشخاصاً خارجين على جميع القوانين والمبادئ والأنظمة، متمردين على جميع القيم الأخلاقية والمجتمعية.
أمّا الفتيات الطفلات، فإن ما تعرضن له أمراً يصعب احتماله من قبل البالغين، فكيف وهنّ ما زلن زهرات في ربيع الحياة لم يجفّ الندى بعدُ عن وريقاتها..؟ إن ما لاقته أولئك الطفلات سواء على مساحة الوطن نزوحاً وتشرداً، أو في مخيّمات اللجوء في بلدان لم تحترم خصوصية الأطفال، ولا الاتفاقيات والعهود الدولية المعنية بحمايتهم، هو عارٌ يندى له جبين الإنسانية، فقد كُنّ سلعة رابحة في تجارة الرقيق غير المباشرة، بأنواع من الزواج كأنها استُحدثت خصيصاً لاستغلالهن وظروفهن مقابل بضع ليرات لا تُسمن ولا تُغني، ليكون الطلاق بعدها مصيراً محتوما وربما برفقة حمل أو طفل مجهول النسب، أو باستخدامهن في المنازل وسواها بأجور لم تكفِ لشراء رغيف خبز يسد رمق أسرة بكاملها، وكذلك بيعهن في سوق النخاسة الذي تديره شبكات دولية للدعارة بصورة لا إنسانية لم تشهدها عصور الإماء والجواري دون أدنى شفقة أو احترام لنقاء طفولتهنّ. ولم يقتصر الوضع على من هنّ خارج البلاد، لأن من في الداخل لم يكُنّ أفضل حالاً، لا من حيث الاستغلال الجنسي أو الجسدي، ولا من حيث التشرّد في الشوارع التي بتنَ سمتها البارزة على مدار الساعة وفي كل الأماكن، مما يخلق يومياً في القلب غصّةً وحرقة لقصر ذات اليد عن أيّ فعل يُنقذ ما تبقى لهنّ من براءة وإنسانية، في ظل غياب أيّة رقابة أو فعل حكومي ينأى بجميع الأطفال عن هذا الوضع الكارثي.
أمّا على صعيد البالغين فحدّث ولا حرج عمّا وصل إليه إذلال السوريين أينما وجدوا في الداخل أو الخارج لا فرق، فداخلياً يُعاني غالبيتهم قسوة الحياة وشظفها على المستويات المعيشية والخدمية، من حيث الغلاء الفاحش الذي فاق حدود الخيال والمنطق والمعقول إن كان لجهة الطعام والشراب والدواء والكهرباء والمواصلات التي أصبحت في حدّ ذاتها قصة ألم وتعب وإذلال يومي، أو من جهة الإيجارات التي باتت تجارة رائجة ورابحة في ظل التشرد والنزوح، بلا وازع من ضمير أو أخلاق تلاشت أمام نهم المال بعيداً عن أيّة رقابة حكومية رادعة لمن سوّلت لهم نفوسهم استغلال ظروف الناس استغلالاً وقحاً وفاحشاً في زمن الإنسان فيه بحاجة ماسة لأبسط أصول التعاون والتعاطف الإنساني والاجتماعي وحتى الحكومي الغائب عن أبسط قضايا الحماية الاجتماعية والاقتصادية المفروضة على الحكومات في ظروف مشابهة لظروف السوريين.
وفي مجال العمل، خسر عددٌ كبير من السوريين أعمالهم بسبب سلوكيات التخريب والتدمير الممنهجة التي أدت إلى توقف العديد من الشركات والمعامل عن العمل بحكم ما أصابها من دمار، أو بحكم أنها تقع في مناطق ساخنة تدور في رحابها عمليات قتالية، مما أدى إلى ارتفاع نسب البطالة في المجتمع إلى حدود غير معقولة، وهذا ما يذهب بالمجتمع إلى الانهيار الاقتصادي والأخلاقي مخلّفاً مشاكل نفسية واجتماعية وأخلاقية لا حصر لها، دفعت بالعديد من الناس إمّا للهجرة، وإمّا لأعمال مشبوهة تؤذي مرتكبها كما تؤذي المجتمع، فقد باتت معظم النساء معيلات لأُسر تحتاج يومياً إلى ما يفوق طاقتهن وقدرتهن على تأمينه، مما دفع بالبعض منهن لسلوك أو ممارسة أفعال يُعاقب عليها القانون الأخلاقي والاجتماعي والديني والقضائي، قانون غائب إلاّ عنهن لأنهن الحلقة الأضعف من جهة، ومشجبٌ يُعلق عليه رجالات القبيلة كل الانهيارات الأخلاقية والاقتصادية والاجتماعية من جهة ثانية.
أما لجهة الأمن والأمان، فقد افتقد الجميع تلك السمة الهامة التي تحلى بها المجتمع السوري، فبات الرعب والخوف والقلق عنوان الحياة اليومية بسبب العمليات القتالية من جهة، وبسبب تلك القذائف شبه اليومية على العديد من المناطق وبضمنها العاصمة، ويذهب ضحيتها أُناس لا ذنب لهم سوى أنهم يعيشون أو يمرون في تلك البقعة من العالم. كما أصبح الفلتان الأمني واضحاً وفاضحاً في جميع المناطق، في ظل غياب سلطة القانون ورجاله عن أيّ فعل حقيقي يحمي المواطن وحقوقه التي كفلها الدستور.
إن كل ما استعرضناه يجعل معظم السوريين تحت مظلة آلام وأمراض نفسية مباشرة تظهر آثارها في المدى المنظور، ويُعتبر العنف أحد تجلياتها الأساسية، إضافة إلى نزعة الأنانية التي تغلغلت في نفوس الكثيرين ممن يعيشون على مبدأ (أنا ومن بعدي الطوفان). كما ستكون هناك آثار غير مباشرة لا تظهر سوى عبر أجيال ستتبنى ثقافة الحروب الأهلية والطائفية المدمّرة، ثقافة مغايرة للمعتاد في ثقافة المجتمع وأخلاقياته وقيمه. وهنا سنكون ولا ريب في كنف وطن مشوّه مُدمّر تذروه الرياح، لاسيما إن لم نتحمّل مسؤولياتنا جميعاً أفراداً ومؤسسات وحكومات لنكون أمام مهمة خطيرة وعسيرة في آنٍ معاً، ألا وهي إعادة تأهيل الإنسان الذي همّشته الحرب فنجعله إنساناً فعلاً، إضافة إلى ترميم النفوس التي هشمتها الآثار الكارثية لهذه الحرب المجنونة التي لم تُبقِ ولم تَذر.
وما لم تتكامل عملية إعمار الإنسان، لا يمكن لعملية إعمار الوطن أن تكون مجدية وناجحة، لأن إعمار الوطن يكون بسواعد أبنائه المحمية حقوقهم بقوانين لا تُفرّق بين قوي وضعيف، ولا بين فقير وغني، أبنائه المُعتدّين بكرامة كفلها وحفظها لهم الدستور.