لماذا كان ماركس محقّاً؟! (27)

نلاحظ أن (نظرية إدارة الأعمال الاقتصادية) قد نشأت بالتوازي مع صعود الرأسمالية الصناعية في مانشستر وما حولها. وقد أوضح إنجلز مرّة أن إقامته في هذه المدينة قد بيّنت له لأوّل مرّة أهميّة الاقتصاد المركزية.

وبما أن والد إنجلز، كما ذكرنا سابقاً، كان يملك في مانشستر شركة غزل أقطان أمّنت له حياته، ولفترة طويلة حياة ماركس معه، يمكن القول بأن معرفته الاقتصادية قد استقاها من منابعها الحقيقية. وهذا يعني أن إنجلز الغني كان القاعدة المادية لبنية ماركس الفوقية الفكرية.

الادّعاء بأن الاقتصاد يحدّد كل شيء لدى ماركس إنما هو تبسيط غير معقول. فالذي يحدّد مجرى التاريخ برأيه هو صراع الطبقات. ولا يمكن إرجاع الطبقات إلى عوامل اقتصادية. فالطبقة كما يفهمها ماركس هي مجموعة من البشر الذين يحتلّون مكاناً محدّداً في طريقة إنتاجٍ محدَّدة. ومما تجدر ملاحظته هنا هو أننا نتكلّم عن طبقات اجتماعية وليس عن طبقات اقتصادية. ويتكلم ماركس عن إنتاج (اجتماعي) وعن ثورة (اجتماعية) وإذا كانت ظروف الإنتاج الاجتماعية تتمتّع بأولويّة على قوى الإنتاج، فمن الصعب أن نفهم كيف لشيءٍ نسمّيه (الاقتصاد) أن يكون المحرّك الأهم في التاريخ.

لا توجد الطبقات فقط في مديرية تحصيل الضرائب في وزارة المالية وفي شركات التأمين، بل هي أيضاً شكل من أشكال الوجود الاجتماعي كمجموعات متجانسة وكيانات اقتصادية تشترك فيما بينها بأعراف وتقاليد ومؤسسات اجتماعية ونظم قيم وطرق تفكير. وهي أيضاً ظواهر سياسية. وبالفعل، هناك بعض الإشارات في مؤلّفات ماركس إلى أن الطبقة التي تفتقر إلى وعيٍ سياسي ليست طبقة بالمعنى الكامل للكلمة. ويبدو أنه يقصد أن الطبقات تصبح حقيقة طبقات، عندما تعي بذاتها أنها كذلك. وهذا يتطلّب قناعات عقائدية وسياسية وثقافية واجتماعية وقانونية. كانت لهذه العوامل غير الاقتصادية في مجتمعات ما قبل الرأسمالية أهمية خاصّة. فالطبقات ليست متجانسة، بل يمكن التعرّف فيها على قدر كبير من التقسيمات الداخلية والتنوّع.

بغض النظر عن ذلك، يشمل العمل عند ماركس، كما سنرى بعد قليل، أكثر بكثير من محتواه الاقتصادي.

فهو يتضمّن علم الإنسان بكامله (أنتروبولوجيا)، أي تلك النظرية عن الطبيعة ونشاط الإنسان فيها، عن جسم الإنسان واحتياجاته، عن جوهر الحواسّ، والأفكار حول العمل المشترك في المجتمع وتحقيق الفرد لذاته.

هذا ليس اقتصاداً وفق صحيفة وول ستريت وفي جريدة الفايننشل تايمز لا نستعلم الكثير عن جنس بني البشر. للعمل علاقة مع كون الإنسان ذكراً أم أنثى، مع درجة القرابة، ومع العلاقات الجنسية. والسؤال الكبير هو كيف يصبح البشر عمالاً؟ وكيف يكسبون نفقة معاشهم؟ وكيف يحققون رغباتهم الفكرية؟ يحصل الإنتاج في خضمّ أشكال عديدة من الحياة، وهو لذلك متخم بأهميته الاجتماعية. وبما أن للعمل معنى، والإنسانُ هو مانحُ هذه المعنى، فلا يمكن للعمل أن يكون ببساطة قضية فنية أو مادية فقط. يمكننا أن نعرّف العمل في حالات إفرادية بأنه عبادة الربّ أو تمجيد الوطن أو الحصول على بقشيش. وبكلمة واحدة، يتضمَّن الاقتصاد أشياء أكثر بكثير من ذاته. ليست حالة الأسواق هامة، وإنما القضيّةُ هي كيف نصبح نحن بشراً وليس سماسرة بورصات.

ليست الطبقات ذات أهمية اقتصادية فقط، كما ليست العلاقة الجنسية ببساطة قضية شخصية. وحتى أنه من الصعب أن نتصوّر شيئاً ذا طبيعة اقتصادية مجرّدة. فالنقود المعدنية تُجمع وتُعرض في خزائن زجاجية بسبب جمالها أو بسبب معدنها الثمين القابل للتذويب وإعادة السكب. والمالُ هو الذي يبيّن لنا لماذا يُختزل الوجود الإنساني برمته بسهولة إلى مناحٍ اقتصادية. يقع سحر المال في أنه يلخّص في حجمه الصغير غنى هائلاً من الإمكانات أمام الإنسان. لا شك في أن هناك لا نهاية من الأشياء التي هي أثمن من المال، إلا أن المال هو الذي يعبِّد لنا الطريق إلى أغلب هذه الأشياء. المالُ هو الذي يمكّننا من المحافظة على علاقات طيبة مع الآخرين دون السقوط فجأة في براثن الفقر. وبالمال نستطيع أن نشتري الخصوصية والصحة والتعليم والجمال والموقع الاجتماعي وسهولة التنقل والجاه وإرضاء الشهوات وبيتاً ريفياً في Warwickshire)).

ترجمة: ماجد داوود ـ إيرينا داوود

العدد 1195 - 23/04/2026