لا شكل واحداً للعيش (1من2)

لماذا نسعى إلى إفقار الحياة وإجدابها؟ أليس ذلك ضد منطق الأمور؟ وأيّ ضمان للعيش المختلف؟

إنها الدوامة التي وجدت البشرية فيها نفسها، وهي ليست خارج إرادة البشر وصنعهم، بتلقائية أو بنسب متفاوتة من وعي الحراك وعقلنته.

أية ظروف أدت إلى تنوع أساليب العيش؟ وأيها أنتجت واحدية الأسلوب أو التوجه نحو شكل واحد؟ ومامدى قدرة هذا الشكل أو الأسلوب الواحد على الاستمرار؟ وما الفوائد أو الأضرار الناتجة من محاولة فرض أسلوب واحد للعيش على الشعوب؟ وما إمكانية أن يتكرر أو يدوم ذلك، ينجح أم يفشل؟

لاشك في أن المستوى المتدني للتطور لدى الشعوب يفرض حداً أدنى من تطور أساليب العيش، وكلما تطور المستوى وتنوعت الوسائل، فرضت انتقالاً من شكل إلى  آخر، أو تغيرات على الأساليب، وهكذا باطراد، كلما تعقدت الوسائل تعقدت العلاقات وتعددت الممكنات. بالتالي أصبح المناخ يتيح تنويعات تفرض نفسها باستمرار، وهذا منطق الحياة النابضة، دون أن تجد من يعرقلها أو يثبتها عند لحظة بعينها، وحسب رؤية واحدة أو ثابتة.

إذاً، الحال الطبيعية أن يكون التنوع هو السمة التي ينتجها حراك البشر وتفاعلهم مع واقعهم، بما فيه من طبيعة وظروف وأساليب إنتاج وعيش. لكن ذلك لا يعدم من يريد اعتقال الحركة، وفي حال عدم الإمكان تتم عرقلتها بحجة التصحيح أو التصويب. ولا يغيب عن بالنا ما دفعته البشرية من أثمان باهظة تحت إدارة القوى الفاعلة على ساحة الوجود، لتفرض كل منها ماتراه الأسلوب المفضل، وليس ذلك سوى خدمة لمطالبها. وهذا ما أدى إلى حروب اتسمت بها حركة المجتمعات الإنسانية، وكانت أثمانها أرواح الملايين العديدة من الأبناء المفضلين والقدرات المهدورة وعراقيل التطور المتكافئ. بالتالي إن توافق أي شعب على طريقة حياة معينة، يجب ألا يصادر وألا يلغي حق بعض الفئات أو الجماعات في التمايز، فقد ثبت أن الإكراه سيئ النتائج التي قد لا تظهر فوراً بل تكون ألغاماً مطمورة.

ربما كان بعض الطامحين إلى تعميم تصور واحد للعيش، ينطلقون من حسن نية مبني على أن الشكل الواحد يضعف إمكانية التصادم، لأن البشر يعيشون في إطار جامع، بظروف متشابهة، وهذا لا يولّد التناحرات، فتعمّ الطمأنينة. ووجهة النظر هذه لا تحسب حساباً لما تفعله هذه العملية من إفقار للحياة ومنع لآفاق التطور، وحصر لقدرات البشر ومنعها من الذهاب للأقصى المتاح في توليد ما يمكن أن يعطي الوجود جمالاً واندفاعاً للتطور والتطوير.

بمعنى آخر، إن إرادة الجمود تفرض نفسها على المجتمعات عندما يتاح لأصحاب المشاريع الواحدة والمغلقة والتمامية أن تهيمن. وهذه نقطة أو فكرة مولّدة للصراع، فالقوى ذات الحراك على الساحة التي يُفرض عليها أسلوب حياة واحد، وهي تقدر وتطمح إلى التعدد، وتكون الممكنات واعدة، لن تتردد في محاولة التمرد، أو أن هذا التمرد على الأسلوب المفروض سيكون تعبيراً تلقائياً لتعدد الممكنات والمكونات والرؤى وأساليب الإنتاج والفكر، الواقعية أو الحالمة.

إن محاولات إنتاج الأسلوب الواحد للعيش وفرضه على الوجود، ارتبطت بالمصالح، وهذه وجدت تعبيرات بأساليب السيطرة المتمثلة بالعقديات السياسية والدينية. لقد ثبت أن المصالح إذا عبرت عن نفسها مجردة من الأيديولوجيات ومن التعبيرات السياسية والدينية، لا تقدر على فرض وجودها، ما يجعل التعبير السياسي أو الديني هو القادر على طرح نماذج مدعومة بالقوى التي تريد اعتقال الحياة عند لحظة تناسبها. وتتسم الوسائل بالنعومة أو الخشونة، حسب الظروف المتاحة، فإذا كان ذلك متاحاً بأساليب ديمقراطية، يصبح الأمر سلساً تلقائياً وسهلاً، أما إذا لم يكن هناك مناخ ديمقراطي، فإن القوى المهيمنة أو الساعية لإدامة الهيمنة بفرض أسلوب عيش واحد، قد لا تتردد في اللجوء إلى القوة، مع التنبه إلى أن تعدد الأساليب يساير الديمقراطية، في حين أن الأسلوب الواحد يقطع معها حين تكون حقيقية وفاعلة. وكل ذلك يجري برعاية السياسة التي تقودها الدول. ولم تكن الدعوات لنفي الدول أو السلطات سوى فانتازيات فكرية لم تتمكن في الواقع.

لقد كان تتبّع ذلك ممكناً تاريخياً في الإطلالة على ظروف حياة البشر في مجتمعاتهم الواحدة أو المنقسمة طبقياً، وكان ذلك مرتبطاً بمدى القدرات التي تتمتع بها قوى الهيمنة على فرض أساليبها ووجودها. وتعتبر الأديان في هذه الحالة الأكثر قدرة على تمكين أسلوب عيش واحد عبر الترسيمات العقدية التي تفرضها، وتكون هذه الترسيمات المرتبطة بالعقيدة أكثر قدرة على التأثير، لأنها تعمل تحت غطاء الارتباط بالقوى المتعالية التي لا تغفر الخروج على إرادتها. والأديان أثبتت تاريخياً أنها ذات قدرة عالية على جذب الناس إليها، لقدرتها على اللعب في المناطق الغامضة بالنسبة للعقل البشري غير المتمكن، بالتالي هي قادرة لأنها المسيطرة سيطرة مطلقة على هذه المناطق ومافيها من غموض وأسرار تؤثر على حياة الناس وعواطفهم وإرادتهم التي لا تستطيع الصمود كثيراً لدى البعض تجاه مصادر القلق والخوف، ما يعني أن وكيلاً يجب أن يقوم بمهمة تذليل الصعوبات والقيام بمهـمات إقالة العثرات، وهذا ما تعــــــلن الأديان قدرتها عليه.

هكذا تصبح الأديان ذات قدرات عالية على رسم معالم الخوف، وإبرازه باعتباره العصا التي تقود بها المؤمنين إلى الجنة، لتبقي غير المؤمنين حطباً لجهنماتها. ومع ذلك فالعملية أو اللعبة لا تدوم طويلاً إذا هي تنكرت لمنطق التنوع، وغالباً ما تتنكر له في سبيل ضبط المؤمنين، وضبطهم يكون تحت راية قيادتهم إلى الخلاص، والخلاص لا تستطيع أن تتيحه الأديان في الحياة الدنيا، فتحيله إلى الآخرة، في منطق التمامية الذي لا يداخله الشك ولا الخطأ.

العملية لا تدوم طويلاً، لكن الغالب في عدم دوامها والتعبير عنه يتم بشكلين، الأول هو التمرد على الدين، أي اللجوء إلى إنكار مقولاته، أي الإلحاد، والآخر هو التنويعات أو التعددية التي تنبثق داخل الدين الواحد. وهذه تعددية غير حقيقية، تظهر عدم قدرة أية جهة على ضبط التعابير المختلفة، أو إرادة الاختلاف، وفرض تنويعات على أسلوب العيش والتفكير المفروض باسم الجهة المتعالية، من قبل ممثليها الأقدر على إدارة المقولات والنصوص والأساليب لصالح الفئات الهيمنية التي تمثلها، لكنها لا تعبر عن تنوع أو اختلاف، إنما تعود إلى جذر واحد، مما لا يفسح في المجال لاختلاف حقيقي وندية تضيف جديداً.

تظهر التعددية في هذه الحالة في الانبثاقات الإيمانية وتفاصيلها، فتنشأ المذاهب من الاختلاف في العبادات، في حين تنشأ الفرق من الاختلاف في العقائد، ولذلك آلياته التي تتضمنها المقولات والاختلاف فيها، والتي لا تلبث أن تتصلب في العقديات، فتشكل كيانات فرقية تتمكن عند توسيع المقولات المختلفة والتمسك بها واستتباع الأنصار لها، وبمقدار ما يكون ذلك جاداً تؤيده أحداث في السياسة والمجتمع، يكون قادراً على صناعة اختلاف. لكنه ليس الاختلاف الذي يؤدي إلى التنويع الحقيقي المؤدي إلى التطور والتطوير بإيجاد مناهج مختلفة، لكنه الاختلاف داخل الاتجاه الواحد الذي يتسابق منتسبوه لكسب المواقف والأنصار والفوائد لحيازة الغلبة والتمثيل.

وإذا كانت الديانات الوثنية القائمة أساساً على التعددية الإلهية، وحرية الاختيار في المعتقد، لم تسجل تناحرات ضخمة، داخلية وخارجية مقودة بمنطق عقدي، فإن الديانات (السماوية، التوحيدية، الإبراهيمية، الرسالية) سجلت تنوعات مذهبية وفرقية داخل كل منها، وداخل كل تنويع إرادة اختلاف معبرة عن توجه في أساليب العيش تقوم على التمرد ضد الواحدية أو على المفروض، لصالح تعبير البشر عن رغبة في التحرر والاختلاف، وفي مثل هذه الحالات لا يقود ذلك وهو المتاح فقط إلا إلى التنافس في التشدد العقدي والمذهبي، والإصرار على جدارة تمثيل الدين من قبل المنبثق الجديد، الذي لا يلبث أن يدخل ميدان التنافس مع غيره في محاولة احتلال المساحات، وجدارة التمثيل والوجود هو عنوان التنافس.

لقد سعت الأديان جميعاً إلى قمع الانبثاقات الجديدة المعبرة عن إرادة عيش مختلف داخلها، فوصفتها بالهرطقة والبدعة والزندقة وما شابه، حاربتها القوى الرئيسية الغالبة المعنية بالمنافسة أكثر، وتعتبر نفسها المعبرة عن الحالة الأرثوذكسية (الصراطية) الموكلة بحراسة العقيدة. لكن المواليد الجدد لا يقلون إيمانية عن غيرهم، ولا قناعة بأنهم يمثلون صحيح العقيدة والفرقة الناجية. وقد كان لهذا الواقع المعبر عنه في الأديان بشكل واضح صداه في السياسات، أي تلك التي تسعى لقيادة المجتعات باعتبارها سلطات مخولة بالغلبة أو التعاقد، دون الاتكاء على إرادة السماء أو إنكارها.

العدد 1194 - 15/04/2026