ثعالب.. ودبابير !
إذا تلاقحت الغيوم، أمطرت السماء، وإذا التمع البرق سمعنا صوت الرعد، وإذا أشرقت الشمس غابت النجوم، وإذا احمرَّ الجمر وشم المكان الساكن فيه، وإذا ارتجفت الأرض أخرجت لنا زلازلها وبراكينها، وإذا امتلأت الأنهار سقت ما حولها، وإذا هاجت أمواج البحار حفرت تاريخها فوق الصخور.
وعندما تتحرك الخناجر انتظروا الجراح، وعندما تنبح الكلاب استعدوا لمواجهة الذئاب، وإذا اتسع العقل ضاقت بعض الصدور، وإذا ضعف النظر سقطت الأجساد في أقرب حفرة، وإذا نام العقل استيقظت شهوات النفس، ورغبات الجسد.
وكلما ارتفعت الطيور كثيراً صغر حجمها أكثر في أعين مَن ينظر إليها، وبقدر الارتفاع تكون السقطة، فمن يقع في الساقية لا كمن يغرق في البحر، ومن يحترق وهو ميت، لا كمن يحترق وهو حيّ، ومن يخونه الأعداء، لا كمن يخونه الأصدقاء.
وليس كل من تسلق الجبال وصل، ولا كل من وصل امتلك قممها، ولا كل من شرب اللبن انقلبت نواياه بيضاء سليمة، ولا من شمَّ عطر الورود تعطّر عقلُه، كذلك ليس كل من قرأ كتاباً صار مفكراً، ولا كل من كتب صار كاتباً، ولا كل من قرض الشعر أصبح شاعراً، ولا كل من صحب الأخيار اهتدى بصحبتهم.
ولا كلّ من رحل، رحلت معه الأماكن، ولا كلّ من أغمض عينيه نام، ولا كل من مات، ماتت ذكراه، ولا كل من وقع في الطين تلوثت روحه، ولا كلّ من اغتسل بالصابون في كل صباح صار رأسه نظيفاً، وصارت يداه خاليتين من الجراثيم والدمامل والقروح.
وليس كل من امتلك ساقين صار من العدائين، ولا كل من امتلك المال والقصور صار شريفاً، ولا كل من يكسو جسمه الريش أصبح قادراً على الطيران، ولا كل من غنّى كان صوته جميلاً، ولا كل من تكلم كان كلامه مسموعاً، ولا كل وجع عميق قد يكون سببه حدث عظيم، فمن يؤلمه قلبه، ويعذبه ضميره، لا يقارن بذاك الذي يوجعه ضرسه المنخور، أو قدمه المكسورة.
وليست جميع الجراح تنزف دماً، ولا كل العيون تذرف دمعاً.
ولا وجود العقارب والثعابين في الأرض تمنع نمو الورود وخروج الينابيع وشروق الشمس.
ولا ارتفاع نباح الكلاب بقادر على حجب ضوء النجوم، وإسكات صوت الحسون.
ولا الناس الصالحون تفسدهم المجتمعات الفاسدة، فقد تسقط الجوهرة في الوحول وتبقى جوهره، وقد يمتطي الجواد الأصيل أشخاصٌ لا أصل لهم ولا فصل، ويشرب من النبع العذب اللصوص والقوادون، ويجلس في ظل شجرة السنديان حاملو البلطات والفؤوس، ويأكل من ثمار كروم العنب وأشجار الكرز الثعالب والدبابير، وداخل الحظيرة ذاتها قد يعيش الحصان والحمار، والديك والصيصان، وفي الدار نفسها قد يحيا إخوة أعداء، كرماء وسفهاء، أحرار وعبيد.
إن الأعمى يرى ببصيرته أبعد بكثير من المبصر دون بصيرة، ومن يقرأ ويفهم يختلف عن ذاك الذي يقرأ فقط، فمن يجعل كرامته رخيصة لا ينبغي له أن يلوم التافهين إذا اشتروها، وتاجروا بها.
(إن بعض الناس يبحثون عن عبيد ليخدموهم، وبعضهم يبحث عن سيد يتبعونه، والبعض الآخر وهم قلة يريد أن يعيش لنفسه…).