كائنات كهربائية

لو كانت عجوز ضيعتنا (سعدة) ما تزال على قيد الحياة حتى الآن، لشبعت شماتة بنا، فالمرأة التي بلغت الثمانين ربيعاً وخريفاً حين دخلت الكهرباء إلى الضيعة، لم تجد سبباً يدعوها لتغيير ما اعتادت عليه طوال حياتها، وبالتالي مانعت في مد الكهرباء إلى بيتها، بل ادعت أنها تتحسس من ضوء اللمبة، لدرجة أنها لم تكن تدخل إلى البيوت المضاءة بالكهرباء، وهكذا قضت آخر سنواتها مستمتعة بنور الشمس وضياء القمر، وبضوء فانوس الكاز عند الضرورة القصوى، إذ كانت تنام عند مغيب الشمس، وما كان لديها غسالة ولا موبايل بحاجة للشحن. أما نحن الذين هجرنا الضيعة لننعم بالعيش في المدينة، أو بما يسميه الفقهاء (أحزمة الفقر) التي تحيط بالمدينة، فقد عرفنا مزايا الكهرباء باكراً، أو بالأحرى ما يشبه الكهرباء، لأننا كنا مجموعة من السكان غير المعترف بهم من قبل الحكومة، ولذا فهي ليست مضطرة لتزويدنا بنورها ولا مائها ولا وجهها الحسن، وهكذا راح كل بيت يمد خطاً غير نظامي (يعني سرقة) من أقرب عمود،أي من مسافة 2 كيلو متر تقريباً، فصار لدينا لمبات تشع نوراً واهياً يسبب النعاس خصوصاً وقت الدراسة، ولكن المهم أننا نستطيع تشغيل التلفزيون الأبيض والأسود ومتابعة (أسعد الوراق) و(الأميرة الشماء) إلى أن يصادف أن تهب ريح قليلة الذوق، أو تمر سيارة طائشة، أو طير سكران، فيؤدي إلى سقوط الشريط عن العمود وانقطاع الكهرباء، فنصاب بارتفاع توتر كهربائي واكتئاب ما بعد السعادة، عندئذ نعود إلى المذياع القديم الذي يعمل على البطارية، نشغله ونستمع إلى فيروز تغني (وطني… يا جبل الغيم الأزرق..) ونواسي أنفسنا بأننا على الأقل سنتذرع بالعتمة لكي نفلت من همّ الدراسة، متجاهلين المحاضرة المكرورة التي يلقيها الآباء على مسامعنا حول العباقرة الذين درسوا على ضوء الشموع، وتحت ضيّ القناديل في الشارع الطويل (أي طريق بيروت القديم الذي منه كنا نسرق خطوط الكهرباء)

. بعد أن كبرنا وترعرعنا في أحضان النور، لاحظنا أن الحكومة بدأت تعترف بوجودنا كأحزمة حول المدينة، انطلاقاً من ضرورة الحزام للبنطال، لذا مدت لنا كهرباء نظامية، فسطع لون اللمبات وانتعشت قلوب السيدات، رغم أن مسلسل الانقطاعات لم ينقطع يوماً! ولكن صارت كل امرأة تفكر باستغلال هذه الطاقة، فكثرت الثلاجات والغسالات والأفران، وليت الأمر توقف عند هذا، فبفضل ثقافة التلفزيونات كثرت الطلبات، فصارت العطسة تحتاج إلى أداة كهربائية خاصة، ومع الأيام تحولنا إلى كائنات كهربائية، نتحرك حسب مزاج المسؤول عن حركة التيار، ترانا منتعشين حين يكون مزاجه (نورانياً) أما حين يصبح (ظلامياً) فنكفّ عن الحياة مثلنا مثل أجهزتنا المنزلية. المهم، تستطيعون اعتبار كل هذه الثرثرة مقدمة لموضوع أخطر له علاقة بمرض جديد بدأ ينتشر انتشاراً واضحاً ووربما ليس جديداً ولكنه كان في مرحلة الحضانة، والآن دخل طور الوباء. كلنا نسمع عن نقص الحديد أو الكلس أو الشمنتو في أجسامنا – خصوصاً بعد ارتفاع أسعارها – ولكن هل سمعتم بمرض نقص الكهرباء؟ هذا هو المرض المثبت علمياً، وهو يتركز في الفص الأمامي من الجبهة الخلفية، أي المنطقة المسؤولة عن اتخاذ (القرارات الحكيمة) في الدماغ البشري، وهو ينتج عن ضعف في التوصيلات الكهربائية للأعصاب، وتتجلى أعراضه بالشكل التالي: تقابل أحد الأشخاص، وتبدأ بالحديث معه عن موضوع ما واضح وضوح الكهرباء في المناطق المدعومة، ولكنك تلاحظ أن هناك مشكلة غامضة تمنع وصول الفكرة إلى دماغه، فتعيد الشرح مستخدماً المنطق اليوناني مع بعض البلاغة العربية، ولكن دون فائدة، فهو مصر على ألا يفهم، قد تظن أن لديه مشكلة بالسمع، فتعمد إلى مخاطبته رسمياً، ولكن نتيجة مسعاك تقول: (كتبنا وما كتبنا ويا خسارة ما كتبنا) لأن قراراته ستصعقك – رغم أن استطاعته لا تعادل واحد ونصف كيلو واط ساعي! أما في حال كونه من ذوي الاستطاعات العالية فنحذرك من اللمس والاقتراب…

اعذروني الآن لأني لا أستطيع الشرح أكثر – ليس خوفاً من لطشة كهرباء – ولكن لأتم عملي قبل أن تفارقنا أنيسة الروح دون وداع.

العدد 1196 - 29/04/2026