السيدة والكلب!

ليس من قبيل الترف أن تجد سيدة تدفع كلباً أمامها يسير بهدوء دون أن يثير شغباً هنا أو هناك، بل قد يثير الإعجاب الخفي، وثمة من ينحني ليداعبه وعلى عجل ربما يلتقط صورة تذكارية معه، هذا إن وافق -الكلب- أن يلتقط صورة معه، فهو صاحب مزاج مركب إن نبح فهو يشير إلى أمر ما، وإن صمت فربما أن الأمور لا تمشي بسلام!.

 محظوظ ذلك الكائن الذي غالباً ما يٌنعت بشرّ بصفاته، وهو مكتف تماماً لا يعنيه ما يُنعت به سواء على مستوى الصداقات أو العلاقات الاجتماعية، أو ندرة الخير في الأزمنة الراهنة.

ومن الواضح أننا لا نشير هنا إلى رواية بعينها ربما كان اسمها السيدة والكلب، أو إلى مذهب فلسفي بعينه (الكلبيين)، لكننا نؤثر الذهاب إلى مشهديات أصبحت في هذه الأيام أقل من ترف وأكثر من حاجة، إذ ثمة صداقة ما تنشأ بين (حيوان) وبشر آخرين، وهذه الصداقة في تجلياتها الأخرى ليست وليدة الساعة وإنما هي عادة غربية بالأصل، وهي تفشت في المجتمع على نحو لافت، ليصح القول إن صداقته أصبحت المفضلة الآن في (غابة) المجتمع، وكلمة الغابة هنا ليست افتراضية، لعلها أصبحت حقيقية بما يكفي، فشأن تلك السيدة التي يقف كلبها أمامها متحسساً من يمر وربما يباغته بنباح مفاجئ، هو شأن من اختار نديماً آخر لا يزعجه بجدل بيزنطي، ولا يخترق عزلته بتلصص محسوب، ولا يقول له إذا لم تكن معي فأنت ضدي، فهو معه غالباً ومغلوباً.

 ثمة صورة إخبارية عبرت الأثير في احتجاج بدولة ما على إصلاح النظام التعليمي، كانت الكلاب تتقدم البشر ترشق بالماء ترجع إلى الوراء ثم تعود من جديد، ولعل طريقتها في (الاحتجاج) ستبقى طريقة لافتة لمن لا يعرفها، إذ يبدو الأمر هنا وكأن الكلاب أعادت دوراً جديداً لها، أي أنها لا تسير وراء قطيع الأغنام في البراري الفسيحة والجميلة، وإنما انتقلت إلى شكل آخر استحدثته لتكون بديلاً ما عما يُفتقد هذه الأيام العصيبة، والتي جاءت صورتها مفارقة لمخيلة الرائع (سومرست موم) على مستوى تلك الرواية التي يبدو أنها لم تعجب كثيرين، وطرفا الحكاية هنا السيدة/ الكلب صالحة فيما يبدو لأن تُروى بغير طريقة، بوصفها حدثاً لكنه ليس عابراً، بل سنزعم على سبيل التمثيل، أنه وليد (غابة سردية) وعلى الغابة أن تولد محكيها في قصص أكثر نضوجاً مما تعصف به مخيلة كاتب، من لغة يكاد مجازها يصبح أسيراً!.

 أمن العدل أن ننعت الكلب بسلوك الإنسان، وكأننا نحمله وزر بشرية لا شأن لها في مطلق الشر إلا أن تكون أشبه بمجازه الغائب، ما شأن ذلك الكلب الذي سمعته جيداً وهو يدوزن نباحه على إيقاع عازف عود يرثي زمنه ويلهب أوتار عوده بدموع قلبه الخفية.

 وما يستوقف كاتباً مشغولاً بصنع الحكاية ليس مطلق حكاية عابرة، سوف يتتبع سيرتها ويذهب لتأليف فصولها فصلاً فصلاً ليبني عمارتها، بل كيف يصنع مما سمي ب (الخواء الأنيق) عالماً متخيلاً وحقيقياً بما يكفي كي لا تمر حكايات الطريق عابرة لا تلوي على شيء، أو كصورة مقتطعة من (ألبوم) الأيام، حدثاً جديداً يثريه بما يضايفه من خيال مفتوح مجاني لمن لا يراه، لكن الصورة المعلقة على الجدار والتي أبدعها فنان كتب اسمه على عجل وبخط يكاد لا يُرى، كانت هي لسيدة تجر كلباً، لكن الجملة الواضحة التي توسطت أسفل الصورة بخط أنيق جداً: (إذا ذهبت إلى وليمة الذئاب فاصطحب معك كلباً).

العدد 1195 - 23/04/2026