السلامة العاطفية

في ظل الأجواء الإنسانية الثقيلة الأثر علينا مؤخراً نتيجة لتغير نظام حياتنا الاجتماعي بفعل الحرب الحاصلة في بلادنا، فإن أكثر الحمولة النفسية كان على عواطف الإنسان ومشاعره، فهذه الحرب التي كان من تبعاتها أنها فرضت علينا تبدلات في تفاعلاتنا مع أصدقاء ومقربين بحكم تباعد المسافات بين الكثيرين بصورة لا إرادية، ومرات بفعل إرادي اختياري للبعض الآخر، بتفضيل الابتعاد وقطع علاقاتهم مع أعزاء لهم كانت تجمعهم في فترة ما روابط وثيقة مهمة بهم، وقد كان لتبدل الأحاسيس نتيجة لتشوه صور الكثير من الأمكنة التي شكلت قسماً مهماً من ذاكرتنا وقعها المرهق أيضاً، لأن العواطف تنعشها الذكريات والأحاسيس المتجددة عبر عيشها في زمان ومكان آمنين، وربما نتيجة لذكريات تجمعنا بأشخاص في أماكن غير آمنة تقاسمنا معهم فيها القلق والخوف وغيرها من مشاعر سلبية منغصة.

في ظل هذه التعاملات اليومية بكل ما تحتويه من تنغيص وفرح وأمل، قد تنشأ بعض الأخطاء العاطفية، التي قد تتسبب بمضار كبيرة في حياتنا، ينجم عنها خسارة اجتماعية تتعدى الفرد، من العوامل الأساس في هذه الأخطاء: أن يصادفنا أشخاص ليس لديهم حساسية انفعالية مناسبة لتسهيل التّواصل، فيتثبت أثر غير مُرضٍ نتيجة تفاعلنا معهم.

وهذه الحساسية الانفعالية المرهفة يعبر عنها بلغة علم النفس اليوم بالذّكاء العاطفي لكل منا، الذي يعدّ بعداً من أبعاد الذّكاء العام، له أهميته البارزة في نمونا الاجتماعي ونضج علاقاتنا بالآخرين.

كما يعدّ الذّكاء العاطفي أيضاً، سمة هامة من سمات الشّخصية الأساس لمن يتم ترشيحهم أو يتم تبنيهم لحمل مسؤوليات متصلة بالشأن العام..

كما يعتبر الذّكاء العاطفي مفتاحنا للتّنبؤ بقدرات الأشخاص الاجتماعية، والمهنية، والحياتية وكل المهارات الأخرى ما عدا المهارات الأكاديمية.

فالتوجه العالمي اليوم بأن يكون رؤساء الدول، ورؤساء المؤسسات الكبرى والبنوك ومديروها، والقادة والقياديون، أنه: لا يُفترض أن يكون ذكاءهم الـ IQ  عالياً! بل قد يكون غالباً ضمن المعدل الطّبيعي، بشرط أن يكون الذّكاء العاطفي لديهم عالياً مقارنة بأقرانهم.

من الدّراسات العّالمية في هذا الشأن، دراسة وولف ودراسكت عام 2001 والبرامج التي تبنتها الدّراسة، بهدف تنمية المهارات العّاطفية المختلفة، والتي تدلل على أهمية امتلاك إنسان العصر الحديث لمهارات الذّكاء العّاطفي في تسيير شؤون حياته اليّوميّة، من كون امتلاك الأفراد لهذه المهارات، تمكنهم من امتلاك أدوات النّجاح المهني والاجتماعي والأكاديمي، وبالتالي تكون الثّقافة حول حياتنا العّاطفية عوناً على التّكيف مع الذّات، ومن ثم مع الآخرين من حولنا، وتجعلنا أكثر استمتاعاً وتمتعاً بمقومات الصّحة النّفسية.

من الجدير ذكره أن عواطف الإنسان تزداد، أو تنضب، تبعاً لأمور عدة منها تجربته الشّخصية، فتبعاً لذلك تعمل العّواطف على تعديل السّلوك، وتوجيه الدوافع الفطرية والمكتسبة، بما يتفق وقيم المجتمع الذي يعيش فيه الشخص، كما أن العواطف تُكسب الإنسان القدرة على الانتظام والثّبات في سلوكه العام، مما يسهم في التنبؤ بمواقفه تجاه الأمور المهمة التي تواجهه في حياته، سواء كانت نحو عائلته أو أصدقائه، وحتى مهنته وانتمائه الإنساني العام سواء بسواء، وبتآزر كبير حتى يتحقق التكيف الانفعالي للمستوى المطلوب لأداء ما هو منتظر منه..

للعواطف وظائف مختلفة من خلال ما تقوم به من مثل:

– ترتيب المنظومة الفّكرية للشّخص، وتوجهه للمعلومات الأكثر أهمية.

–  العواطف الفعالة، تؤثر في عمل الذّاكرة، من حيث ما يسمى بالذّاكرة الاصطفائية.

– الحالة العاطفية التي يعيشها الشّخص، تؤثر على تقبله لوجهات النّظر المختلفة، الصّادرة من الأشخاص المحيطين به، والذين يتفاعل معهم حسب المواقف المعاشة، وكذلك من خلال التّوجهات العاطفية التي يبدونها له.

فالمواقف المريحة تشجع على ابتداع الحلول الجديدة في الحياة اليومية، والعواطف في حياتنا اليومية كشرقيين تعتبر المحرك الأهم لاستمرار وجود الأشخاص، في حياة بعضهم البعض، من حيث كون العلاقات الاجتماعية تشكل محكاً أساسياً في معاشنا وقيمنا العامة، لأجل ذلك من المفيد الوقوف عند العواطف المتداخلة، والمعقدة عند الأشخاص، كما هو الحال في اقتران مشاعر الحب بالكره، واقتران انفعال الخوف بعنصر المفاجأة، لأن المقدرة على ملاحظة تبدل العواطف، من حال إلى حال، والتّمكّن من ضبطها حسب ما تقتضيه المواقف، هي مؤشر هام من مؤشرات السّلامة العاطفية والنّضج العاطفي.

العدد 1195 - 23/04/2026