نساء من سورية: إلفة الإدلبي.. عاشقة دمشق

ولدت الأديبة السيدة إلفة عمر باشا الإدلبي في دمشق عام 1912 وتلقت علومها في مدرسة تجهيز البنات، وتزوجت عام 1929 من الدكتور حمدي الإدلبي وهي في السابعة عشرة قبل أن تتم دراستها. ظهر ميلها إلى الأدب وهي صغيرة، حتى أن أحد أساتذتها تنبأ لها بأنها ستصبح أديبة مرموقة يوماً ما، وهذا ما حدث فعلاً، وكانت هوايتها المفضلة القراءة الدائبة المستمرة، لاتصرفها عنها مشاغل الحياة الكثيرة.. مرضت عام 1932 وظلت طريحة الفراش سنة كاملة، فانتهزت فرصة المرض لتقرأ وتشبع هوايتها وتعبّ من ينابيع الأدب العربي والعالمي.

كانت تقرأ عشر ساعات متواصلة يومياً، تنتقل فيها بين الأدب القديم والحديث والمترجم، إلا أن قراءة القصة كانت هوايتها الأثيرة، وكانت عندها الألذ والأمتع، الأمر الذي جعلها تستنفد جميع مؤلفات محمود تيمور، وتوفيق الحكيم، وإبراهيم عبد القادر المازني، وطه حسين، وميخائيل نعيمة، وجبران خليل جبران، ومارون عبود، ومعروف الأرناؤوط وغيرهم..

لقد أحبت الكاتبة دمشق بكل ما فيها وحرصت على كل تقليد من تقاليدها في الأفراح والأتراح، ولذلك سجلت في قصصها ما كان يتردد في هذه المناسبات من زغاريد وأمثال وخرافات لتصونها من الضياع والاندثار، فلا تُمحى من الكتب إذا هي محيت من الأذهان، بعد أن امتدت إليها يد الحضارة والمدنية لتطمس بعض معالمها القديمة وتعفي على سماتها التي عرفت بها، ولذلك لا تبالي إذا خرجت عن مضمون القصة التي تكتبها لتطعّمها بشيء من الفولكلور وتخلع عليها اللون المحلي والطابع الدمشقي الصرف.

حقّقت أعمالها شهرة عالمية فتُرجم العديد من قصصها وكتبها إلى أكثر من عشر لغات عالمية منها: الإيطالية والإسبانية والألمانية، والروسية، والصينية، والتركية، والأوزباكستانية والروسية.  كما تمّ اعتماد عدد من قصصها القصيرة لتدرّس في جامعات عالمية: في جامعات الصين، الولايات المتحدة، إسبانيا، روسيا، أوزبكستان. مجموعتها القصصية الأولى (قصص شامية) شكّلت منعطفاً مهماً في مسيرة إلفة الإدلبي، إذ أرسلت قصتها هذه عام 1947 إلى مسابقة في الإذاعة البريطانية لتفوز بجائزة أفضل قصة في الوطن العربي، ما منحها ثقة عالية بالنفس شجعتها على إرسال قصتها (الدرس القاسي) من المجموعة ذاتها إلى مجلة (الرسالة) المصرية ذات الأهمية العالية في عالم الأدب والصحافة، وكانت المفاجأة بنشر المجلة لقصتها، ما زادها ثقة وإصراراً على المتابعة.

كان والدها ذواقاً للأدب، من مكتبته الخاصة تعرفت للأدب القديم ولكتب الأغاني والعقد الفريد والأمالي، وكان ينعم عليها بالهدايا لتحفظ أبياتاً من المعلقات وسواها من الشعر العربي القديم، وكان خالها كاظم الداغستاني وراء تشجيعها على معرفة الأدب الحديث من خلال مكتبته الكبيرة التي كانت تجول فيها وتنتقي ماتشاء، شجعها على كتابة القصة القصيرة وكانت أول قصة لها بعنوان (القرار الأخير) عام 1947 شاركت بها في مسابقة بإذاعة لندن وحصلت على الجائزة الثالثة على مستوى الوطن العربي.

انتسبت عام 1940 إلى الندوة الأدبية وإلى (حلقة الزهراء الأدبية)، كما التحقت بـ(جمعية الرابطة الثقافية الأدبية)، دعت الأدلبي إلى تحرر المرأة وممارسة دورها الاجتماعي والسياسي، فكانت من أوائل السيدات اللاتي خرجن في المظاهرات ضد الاحتلال الفرنسي، وممّن قمن بجمع التبرعات لإيصالها لرجال الثورة السورية.

عام 1948 هبت مع عدد من النساء السوريات للمشاركة بأعمال الإنقاذ والإسعاف وإيواء مشردي النكبة، تواصلت مع نضال الشعب الجزائري في الستينيات من القرن العشرين، وأثناء حرب 1967 و1973 كانت واحدة من المناضلات السوريات اللاتي يزرن الجرحى وأسر الشهداء ويقدمن لهم المساعدة.

رحلت ظهر الثلاثاء الأول من ربيع الأول 1428 الموافق 20 آذار 2007 عن عمر ناهز 95 عاماً في باريس، حيث أقامت مع أولادها آخر سنوات عمرها.

حمل جثمانها إلى وطنها الأم سورية ليصلى عليه في جامع البدر بدمشق عصر الاثنين 26 آذار 2007 وتم تشييعها من دارها في المهاجرين، ووريت الثرى في مقبرة الحرش بالمهاجرين.

مؤلفاتها:

كتبت أول قصة لها في عام 1947 بعنوان (القرار الأخير)، وشاركت بها في مسابقة إذاعة لندن وحصلت على الجائزة الثالثة.

* (قصص شامية)، عام 1954.

* مجموعة قصصية بعنوان (وداعاً يا دمشق)، عام 1963.

* مجموعة قصصية بعنوان (يضحك الشيطان)، عام 1974.

* (نظرة في أدبنا الشعبي)، عام 1974.

* (عصي الدمع)، عام 1976.

* رواية (دمشق يا بسمة الحزن)، عام 1981.

* رواية (حكاية جدي)، عام 1999.

* و(نفحات دمشقية)، عام 1990.

العدد 1194 - 15/04/2026