الحياة حلوة مثل البقلاوة

في محل للحلويات الشعبية التي تبيع عادة الهريسة والعوامة وبعض الأنواع البسيطة والمناسبة لجيوب أهل الحي، قرر البائع على ما يبدو أن يقدم شيئاً جديداً للجمهور (الذواق) أي الزبائن الحالمين بالرفاهية، فقام بصنع صينية من (البقلاوة)، وطبعاً لم يكن وارداً أن يحشوها بالفستق الحلبي نظراً لسعره الخيالي، فوضع فيها بعض فستق العبيد – لاحظوا العنصرية حتى في الطعام – المهم أن الرجل يريد أن يقنع الجمهور بهذا الفستق، فلجأ إلى خدعة تقليدية سخيفة، وهي صبغ الفستق باللون الأخضر (الفستقي) أملاً بأن يرتقي به من مرتبة العبيد إلى مرتبة السادة، ولكن المشكلة أننا شعب يحب المبالغة في كل شيء، ولذا أكثر من المادة الصبغية، لدرجة أن صارت رقائق العجين ملونة بالأخضر، بل إن السائل الفاقع اللون سال مع القطر! شيء عجيب، مع أننا والله، نحن الجمهور البسيط والمتفهم، لن نزعل منه لو ترك الفستق على حاله الطبيعية مادمنا نعرف أننا لن نتمكن من شراء حلوى بالمكسرات الغالية، وبالتالي فهو لم يكن مضطراً لإيهامنا بشيء غير موجود، إلا أنني حين فكرت بالموضوع وجدت أن الأخ بائع البقلاوة الظريف لم يفعل إلا أنه سار على نهج قديم ومتعارف عليه، بل ومصادق عليه من قبل الجميع وهو ضرورة خلق حالة من الوهم الكاذب تجاه كل شيء، وهم يجعل الأشياء حولنا جذابة وإن كانت غير مقنعة على الإطلاق. وأنا هنا لا أتحدث عن الشيء الأبيض الذي نتناوله صباحاً على أساس أنه لبنة، ولا عن السوائل الملونة التي تقدم لأطفالنا على أساس أنها عصير فاكهة من برتقال وفريز وأناناس، ولا عن المكعب الذهبي الذي نضعه في الرز متخيلين أننا جئنا بالدجاجة إلى مائدتنا، ولا أقصد أيضاً الإساءة إلى السائل الذي نغسل به شعرنا باعتباره شامبو بخلاصة الصبار أو البابونج أو العسل، وهو لا يعدو كونه سائل جلي بأحسن الأحوال ! صدِّقوني لا تهمني كل هذه الخدع التجارية، ولكن ما أعنيه أننا نعيش غالباً نسخة مقلدة من الحياة، ونتعامل مع النسخة الأخرى (المعدلة) من الشخصيات، والغريب في الأمر أن الجميع يعرف ذلك ولكنه يبقى مصراً على العيش في حالة من (الطناش الجميل)! خذوا موضوع الحب مثلاً، ترى الناس كلهم يتحدثون عنه ويحلفون برأسه، ولا يملّون من الترنّم بأغانيه ورواية حكاياه، والتوجع على أبطال مسلسلاته العربية والهندية والتركية، وحين يجدّ الجد تستطيع أن تغلق باب قلبك ببساطة كما تغلق التلفزيون حين تمل منه، أو كما تطفئ شاشة الكمبيوتر بعد أن تملأ فراغ عواطفك من أحباب الشابكة – كما يسميها العرب الفصحاء – وهي شيء مختلف عن الشبكة والشباك وشبابيك الهوى التي تغنى بها المطربون قديماً، وأقصد بكلمة قديماً يعني في عصر ما قبل النت، والفرق بينها خطير، فالشابكة نستطيع إغلاقها متى نشاء، بل قد تنقطع وحدها لأسباب كهربائية أو أمنية أو غيرها، أما شباك الهوى فلا يخلصنا منها إلا الذي شبكنا بحسب رأي عبد الحليم، وكذا حال الصداقة، فأنت الآن قادر على أن تفخر بالأعداد الغفيرة من الأصدقاء الذين ترتبط بهم بكل الطرق ما عدا الطريقة الاعتيادية التي كنا نعرفها، يعني هم أصدقاء افتراضيون وبأسماء افتراضية، ولكن لو افترضنا أنك صرخت بأعلى ما في شابكتك العنكبوتية هذه من صوت طالباً استدانة مئة ليرة حتى آخر الشهر، فستجد أن الشبكة انقطعت من تلقاء نفسها، ووجدت نفسك وحيداً وسط قبيلتك… ولا تفهموا من كلامي أني معقّدة من هذا العالم الافتراضي، على العكس، فبرأيي هو حل بسيط مناسب لنفسياتنا التي تحب الاختباء، لأننا بطبيعة الحال معتادوين على تغليف ذواتنا بالورق اللماع الذي يفضله الآخرون…

العدد 1195 - 23/04/2026