هكذا علّمنا الأستاذ كتابة الإنشاء..!

 أروع ما يفعله الطالب في صفه هو أن يكون مندمجاً مع الأستاذ أثناء الدرس، وعند ذلك يحقق مجموعة فوائد دفعة واحدة، وأهم هذه الفوائد هي المتعة في تمضية الوقت، ونعرف جميعاً أن كثيرين من الطلاب تشغلهم هذه النقطة، فيشعرون بالملل، وتراهم يحاولون الانشغال عما جاؤوا من أجله بأي شيء آخر…

كان ذلك في درس اللغة العربية، فأستاذ المادة لا يرتاح إلا إذا شاركه الطلاب في الدرس، وكنت أنا من المشاغبين فالحيوية المفرطة عندي جعلت الأساتذة يعتبرونني فوضوياً ومشاغباً إلا أستاذ اللغة العربية..

كان يقول لي: قم أنت..! فأقوم… يقول لي: صف لي الشتاء كما يخطر لك الآن.. فأفكر قليلاً، ثم أقرأ ما بخاطري بلهجة خطابية تشبه بيانات الحرب:

(الشتاء بارد.. أمي تضع الأغطية فوقنا من أجل الدفء حتى نكاد نختنق.. أما أنا فأحب الشاي الساخن، وقميصاً سميكاً وكنزة من الصوف دون قبة، والجلوس عند النافذة لمشاهدة المطر الهاطل من السماء!).

يضحك بعض الطلاب، وخاصة أصدقائي الذين ظنوا أني وقعت في مطب صعب، ولا ينقذني إلا صوت الأستاذ: جيد.. الآن أريدك أن تكتب ذلك على ورقة ليصبح الحديث عن الشتاء موضوعاً كاملاً تقرؤه لنا في آخر الدرس!

وهكذا.. تخمد الفوضى، وأجدني منكبّاً على الدفتر أكتب قصة الشتاء، وإذا بأصدقائي ينظرون إلي بحسد، فمن أين لك هذا ياصديقنا.. هات لنشوف ماذا ستقرأ في آخر الدرس؟!

قبل أن ينتهي الدرس بخمس دقائق، يشير الأستاذ إلى مقعدي، ويقول بلطف وحماسة معاً: هل انتهى موضوع الشتاء الذي سيكون جميلاً حتماً؟ فأقول: نعم.. انتهى أستاذ. وأنهض لأقرأ. فيقول الأستاذ: لا.. أنت ستسمع.. ويطلب من طالب آخر جميل الصوت أن يقرأ موضوعي عن الشتاء..

يصمت الجميع في انتظار الفضيحة المتوقعة.. لكن الصمت يتحول إلى إصغاء لصوت جميل يقرأ نصاً بريئاً عن الشتاء.. أنا أصغي.. والطلاب يصغون.. والمعلم يصغي!!

–  ياله من نص جميل!

يقول المعلم بسعادة، فإذا بكل الوجوه تنظر نحوي.. هل فعلاً كتب هذا الفوضوي المشاغب نصاً جميلاً؟!

كل منهم يطرح السؤال على نفسه، أما أنا، فأعود إلى الفوضى سريعاً، فقد ضاق نفسي من لعبة الجد والكتابة.. أنهض، وأقول له:

–  أستاذ.. هل الموضوع جميل فعلاً؟

يهز رأسه، ويردد:

–  طبعاً.. طبعاً..

فأسأله:

–  ومن كتبه؟ هل أنا كتبته فعلاً؟! أنا لاأصدق!

يضحك الأستاذ.. يضحك الطلاب.. يشوشون علي.. لكن الجرس يقرع وينتهي درس الإنشاء في اللغة العربية..

العدد 1195 - 23/04/2026