قلها.. وامشٍ
للمعذبين في الكتابة كثير من الاشتقاقات لا سيما في استعار الحر وبلوغه أمداء لم تعد خفتها لتُحتمل، وقد يقول قائل هنا أن الشمس قد دخلت حرباً هي الأخرى على الأدمغة حتى لتكاد تجففها في انقطاع الكهرباء لأوقات معينة أو غير معينة تصبح معادلة الكتابة كمن يبحر في الرمال، أو كمن يهبط وادي غير ذي زرع، وتحار الكتابة كيف تجهر بما يجول في رأس كاتبها، إذ يمكن لها أن تتواطئ عليه قليلاً أو تخاتله أكثر الأحيان، لكنها في كل الأحيان تتوسل كتابته وكأنما هو ارتاح من عبء حمل القلم ومناكفة الأوراق، لتتولى الكتابة تأمل ذاتها، وتفكر هي الأخرى بحال كاتبها وفي احتدام أفكاره، بفعل مخيلة مجففة أو هي في طريقها إلى التجفاف، وتسائله ذات صباح تُرى ما الفكرة التي أردت أن تقولها، هل تشبهني أم أشبهها ومتى تقول بها كلمتك الأخيرة.
هو حال من تنكب الكلمات لتصبح في مغامرتها المثيرة لأن تظهر أو لا تظهر وفي كلتا الحالتين تظل هاجس المبدع، وفي مقام آخر هاجس بشر عاديين يريدون أن يقولوا كل شيء، لكنه الحر بألسنته الطويلة قد صادر كل أسئلتهم، وجعلهم كشخوص روايات لا عمل لها سوى أن تذكر كاتبها بأنها مازالت باقية، وأنها هاجسه المقيم.
ولعل (قلها وامش) كما ترد على ألسنة المعذبين في الكتابة والأرض والأحلام، أصبحت أشبه بخلاص الكتابة والكلام، لا سيما وأنها -الكلمة- من تبقى حبيسة الشفاه (كتميمة) لا تدري متى تخرج إلى النور لابسة ثوب الحياة، كالولادة هي بصرختها الأولى وباكتشافها العالم الذي فكرت به، لكنه قد يشبهها أو لا يشبهها.
في مدونات الأدب أصبحت هي المتطيرة من الصمت، فالصمت في حضرتها بائس ومعطل الإحساس فيما هي تماماً كمثل من ينطقها رغم أنها تخاتله قليلاً باسم (خيانات) الكلام، يقولون خانتني الكلمة، لكنها أجمل الخيانات حينما تترك صاحبها واقفاً وتمشي هي إلى ذاكرتها لتصبح أكواناً من الكلمات، حسبها السخرية الفائضة مما لا يقال في مقام الحر والنسيان، لتغالب أكوانها مبرأة من لظى الحر لتكون برداً لقائلها، إذ هي من تتنفس قائلها كما يتنفسها هو واللافت في تراجيدية تلك اللحظة أو المسافة بين احتباس القول والبوح به، هو الزمن وكي لا يسبق السيف العذل، تبقى راعفة الصهيل وحينئذ لن يبقَ النسيان حماقة بل سيصبح نعمةً كبرى.
فلو عاد الزمن بالجاحظ لقال الكلمات ملقاة على قارعة الطريق، وأكثر من ذلك هي من تلتقط من يعجبها لتلبسه ويلبسها، ولدار في خلد الجاحظ أن الكلمات تعيش أزمنتها كما الأفكار، لتعبر إلى أزمنة أخرى تصبح فيها الإشارة هي بنت الكلمة، ويصبح فيها الإيحاء هو جدها، ظلت الكلمة إذاً ملقاة على قارعة الطريق تهب عليها نسائم حارة جداً فتشعلها.
في مشفى المجانين يتحدث المجانين كعاقلين تماماً، ولعل المستمع لحديثهم سيقول بينه وبين ذاته، ربما نحن المجانين وهم أعقلنا، ولأنهم بكل بساطة نطقوا كلمتهم ومشوا حتى أصبح المكان الذي يحتجزهم يحاول حمايتهم بوصفهم عاقلين من أولئك المجانين الطلقاء في الشوارع والمدن والأفكار ذات الكلمات الخرساء حين نطقها، رغم أنهم يبتسمون كثيراً ويأخذهم الهذيان غير مأخذ، وربما في دواخلهم يتسائلون نحن في مشفى طليق وأولئك القابعون في مكان ما بعينه خشية على عقولهم يجب أن ينأوا عن البشر جميعاً، حتى لو نأوا على أنفسهم، ترى ما القاسم المشترك بين أولئك الذين يتكلمون كما يريدون تماماً دونما رقابة على أفكارهم، وأقسى ما يواجهونه من عقوبة هو احتجازهم فحسب أو الضحك: (إنهم مجانين فحسب).
أما من كان طليقاً في حياة لا تختلف كثيراً عن ذلك المكان فهو يضحك بالتقسيط هذا إن أجاد فن الضحك، لأن الضحك أصبح اليوم نادراً ويكاد يكون في عرفه للكثيرين خيانة للكلمات التي لا تقال ولا تمشي كما أصحابها الواقفون حائرين بانتظار أن يبتكروا شيئاً يقولون سوى الكلمة.